الســـــــــــيــــرة النـــبــــويــــــــــة الشــــــــــــريــــــفــــــة
مـخـتصـر السـيـرة النبـوية الشريفة لمحمد عبد الوهاب الجـــزء الأول
بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
|
غار حراء | ثم ذكر قصة بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقصة في الصحيحين ، وفيها : أن أول ما أنزل عليه : اقرأ باسم ربك الذي خلق إلى قوله : ما لم يعلم ، ثم أنزل عليه : يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر* والرجز فاهجر * ولا تمنن تستكثر * ولربك فاصبر . فمن فهم أن هذه أول آية أرسله الله بها ، عرف أنه سبحانه أمره أن ينذر الناس عن الشرك الذي يعتقدون أنه عبادة الأولياء ليقربوهم إلى الله قبل إنذاره عن نكاح الأمهات والبنات ، وعرف أن قوله تعالى : وربك فكبر أمر بالتوحيد قبل الأمر بالصلاة وغيرها ، وعرف قدر الشرك عند الله وقدر التوحيد . فلما أنذر صلى الله عليه وسلم الناس استجاب له قليل . |
وأما الأكثر فلم يتبعوا ولم ينكروا ، حتى بادأهم بالتنفير عن دينهم وبيان نقائصه وعيب آلهتهم ، فاشتدت عداوتهم له ولمن تبعه ، وعذبوهم عذاباً شديداً ، وأرادوا أن يفتنوهم عن دينهم . فمن فهم هذا : عرف أن الإسلام لا يستقيم إلا بالعداوة لمن تركه وعيب دينه وإلا لو كان لأولئك المعذبين رخصة لفعلوا . وجرى بينه وبينهم ما يطول وصفه ، وقص الل ه سبحانه بعضه في كتابه . ومن أشهر ذلك : قصة عمه أبي طالب لما حماه بنفسه وماله وعياله وعشيرته ، وقاسى في ذلك الشدائد العظيمة ، وصبر عليها ، ومع ذلك كان مصدقاً له ، مادحاً لدينه : محباً لمن اتبعه ، معادياً لمن عاداه ، لكن لم يدخل فيه ، ولم يتبرأ من دين آبائه ، واعتذر عن ذلك بأنه لا يرضى بمسبة آبائه ، ولولا ذلك لاتبعه ، ولما مات وأراد النبي صلى الله عليه وسلم الاستغفار له أنزل الله عليه : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم . فيا لها من عبرة ما أبينها ؟ ومن عظة ما أبلغها ! ومن بيان ما أوضحه ! لما يظن كثير ممن يدعي اتباع الحق فيمن أحب الحق وأهله ، من غير اتباع للحق لأجل غرض من أغراض الدنيا . | |
قصته صلى الله عليه وسلم مع قريش حين قرأ سورة النجم
![]() | ومما وقع أيضاً : قصته صلى الله عليه وسلم معهم لما قرأ سورة النجم بحضرتهم - فلما وصل إلى قوله : أفرأيتم اللات والعزى* ومناة الثالثة الأخرى ، ألقى الشيطان في تلاوته : تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى ، وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله ، ففرحوا بذلك فرحاً شديداً ، وتلقاها الصغير والكبير منهم ، وقالوا كلاماً معناه : هذا الذي نريد ، نحن نقر أن الله هو الخالق الرازق ، المدبر للأمور ، ولكن نريد شفاعتها عنده ، فإذا أقر بذلك فليس بيننا وبينه أي خلاف . واستمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها ، فلما بلغ السجدة سجد وسجدوا معه ، وشاع الخبر : أنهم صافوه ، حتى إن الخبر وصل إلى الصحابة الذين بالحبشة ، فركبوا البحر راجعين ، لظنهم أن ذلك صدق ، فلما ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاف أن يكون قاله فخاف من الله خوفاً عظيماً ، حتى أنزل الله عليه : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته إلى قوله : عذاب يوم عظيم . |
فمن عرف هذه القصة ، وعرف ما عليه المشركون اليوم ، وما قاله ويقوله علماؤهم ، ولم يميز بين الإسلام الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم ، وبين دين قريش الذي أرسل الله رسوله ينذرهم عنه ، وهو الشرك الأكبر: فأبعده الله ، فإن هذه القصة في غاية الوضوح ، إلا من طبع الله ، على قلبه وسمعه ، وجعل على بصره غشاوة ، فذلك لا حيلة فيه ، ولو كان من أفهم الناس ، كما قال الله تعالى في أهل الفهم الذين لم يوفقوا : ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء الآية . ثم لم أراد الله إظهار دينه ، وإعزاز المسلمين : أسلم الأنصار -أهل المدينة- بسبب العلماء الذين عندهم من اليهود ، وذكرهم لهم النبي وصفته ، وأن هذا زمانه وقدر الله سبحانه أن أولئك العلماء الذين يتمنون ظهوره وينتظرونه ، ويتوعدونهم به - لمعرفتهم أن العز لمن اتبعه- يكفرون به ويعادونه ، فهو قول الله سبحانه : ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين . فلما أسلم الأنصار أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان بمكة من المسلمين بالهجرة إلى المدينة ، فهاجروا إ ليها . وأعزهم الله تعالى بعد تلك الذلة ، فهو قوله تعالى : واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره الآية . | |
فوائد الهجره
![]() | فوائد الهجره ، والمسائل التي فيها كثيرة ، لكن نذكر منها مسألة واحدة ، وهي : أن ناساً من المسلمين لم يهاجروا ، كراهة مفارقة الأهل ، والوطن والأقارب ، فهو قوله تعالى : قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين . فلما خرجت قريش إلى بدر خرجوا معهم كرهاً ، فقتل بعضهم بالرمي ، فلم علم الصحابة أن فلاناً قتل ، وفلاناً قتل ، تأسفوا على ذلك ، وقالوا : قتلنا إخواننا ، فأنزل الله تعالى فيهم : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض إلى قوله : وكان الله غفورا رحيما . فليتأمل الناصح لنفسه هذه القصة ، وما أنزل الله فيها من الآيات ، فإن أولئك لو تكلموا بكلام الكفر ، وفعلوا كفراً ظاهراً يرضون به قومهم : لم يتأسف الصحابة على قتلهم ، لأن الله بين لهم -وهم بمكة- لما عذبوا قوله تعالى : من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان . فلو سمعوا عنهم كلاماً أو فعلا يرضون به المشركين من غير إكراه ، ما كانوا يقولون : قتلنا إخواننا . |
تفسير قوله تعالى : قالوا فيم كنتم
![]() | ويوضحه قوله تعالى : قالوا فيم كنتم ، ولم يقولوا : كيف عقيدتكم أو كيف فعلكم ؟ بل قالوا : في أي الفريقين كنتم ؟ فاعتذروا بقولهم : كنا مستضعفين في الأرض ، فلم تكذبهم الملائكة في قولهم هذا ، بل قالوا لهم : ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ، ويوضحه قوله : إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا * فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا |
فهذا في غاية الوضوح ، فإذا كان هذا في السابقين الأولين من الصحابة ، فكيف بغيرهم ؟ ولا يفهم هذا إلا من فهم أن أهل الدين اليوم لا يعدونه ذنباً ، فإذا فهمت ما أنزل الله فهماً جيداً ، وفهمت ما عند من يدعي الدين اليوم ، تبين لك أمور : منها : أن الإنسان لا يستغني عن طلب العلم ، فإن هذه وأمثالها لا تعرف إلا بالتنبيه . فإذا كانت قد أشكلت على الصحابة قبل نزول الآية ، فكيف بغيرهم ؟ ومنها : أنك تعرف أن الإيمان ليس كما يظنه غالب الناس اليوم ، بل كما قال الحسن البصري - فيما روى عنه البخاري : ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعم ال . نسأل الله أن يرزقنا علماً نافعاً ، ويعيذنا من علم لا ينفع . قال عمر بن عبد العزيز : يا بني ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ، ولكن الخير : أن تعقل عن الله ثم تطيعه . ولما هاجر المسلمون إلى المدينة ، واجتمع المهاجرون والأنصار : شرع الله لهم الجهاد ، وقبل ذلك نهوا عنه ، وقيل لهم : كفوا أيديكم ، فأنزل الله تعالى : كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ، فبذلوا أنفسهم وأموالهم لله تعالى رضي الله عنهم ، فشكر الله لهم ذلك ، ونصرهم على من عاداهم مع قلتهم وضعفهم ، وكثرة عدوهم وقوته . | |
حديث السقيفة :
| فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم : انحاز هذا الحي من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة . واعتزل علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة . وانحاز بقية المهاجرين إلى أبي بكر [ وانحاز معهم أسيد بن حضير في بني عبد |
الأشهل ، فأتى آت إلى أبي بكر وعمر]، فقال : إن هذا الحي من الأنصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة قد انحازوا إليه ، فإن كان لكم بأمر الناس من حاجة ، فأدركوا الناس قبل أن يتفاقم أمرهم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته لم يفرغ من أمره ، قد أغلق دونه الباب أهله . فقال عمر لأبي بكر : انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، حتى ننظر ماهم عليه قال ابن إسحاق : وكان من حديث السقيفة : أن عبد الله بن أبي بكر حدثني عن محمد بن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس ، قال : أخبرني عبد الرحمن بن عوف قال : -وكنت في منزله بمنى أنتظره ، وهو عند عمر في آخر حجة حجها عمر- قال : فرجع عبد الرحمن من عند عمر ، فوجدني بمنزله بمنى أنتظره ، وكنت أقرئه القرآن . [ قال ابن عباس] : فقال لي [ عبد الرحمن بن عوف] : لو ر أيت رجلاً أتى أمير المؤمنين ، فقال : هل لك في فلان ؟ يقول : والله لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً، والله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت . قال : فغضب عمر ، وقال : إني -إن شاء الله- لقائم العشية في الناس ، فمحذرهم من هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم ، قال عبد الرحمن : فقلت : يا أمير المؤمنين ! لا تفعل ، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم ، وإنهم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس . وإني أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطير بها أولئك عنك كل مطير ، ولا يعوها ولا يضعوها على مواضعها . فأمهل ، حتى تقدم المدينة . فإنها دار السنة ، وتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس ، فتقول ما قلت بالمدينة متمكناً ، فيعي أهل الفقه مقالتك ، ويضعوها على مواضعها . فقال عمر : أما والله -إن شاء الله- لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة . قال ابن عباس : فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يوم الجمعة ، عجلت الرواح حين زالت الشمس ، فأجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالساً إلى ركن المنبر ، فجلست حذوه ، تمس ركبتاي ركبتيه ، فلم أنشب أن خرج عمر ، فما رأيته مقبلاً، فقلت لسعيد : ليقولن العشية على هذا المنبر مقالة لم يقل ها منذ استخلف . فأنكر علي سعيد بن زيد ذلك . وقال : وما عسى أن يقول مما لم يقل قبله ؟ فجلس عمر على المنبر . فلما سكت المؤذن ، فقام . فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها ، ولا أدري لعلها بين يدي أجلي ؟ فمن عقلها ووعاها فليأخذ بها حيث انتهت به راحلته . ومن خشي أن لا يعيها ، فلا أحل لأحد أن يكذب علي . إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق ، وأنزل عليه الكتاب ، فكان مما أنزل عليه : آية الرجم ، فقرأناها وعلمناها ووعيناها . ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده . فأخشى -إن طال بالناس زمان- أن يقول قائل : والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله ، فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها الله . وإن الرجم في كتاب الله ، حق على من زنى ، إذا أحصن ، من الرجال والنساء إذا قامت البينة ، أو كان الحبل أو الاعتراف . ثم إنا قد كنا نقرأ فيما نقرأ من الكتاب : لاترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم -أو كفر لكم- أن ترغبوا عن آبائكم ، ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تطروني كما أطري عيسى ابن مريم . فإنما أنا عبد ، فقولوا : عبد الله ورسوله ، ثم إنه قد بل غني أن فلاناً قال : لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلاناً. فلا يغترن امرؤ يقول : إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمت . ألا وإنها والله قد كانت كذلك ، إلا أن الله وقى شرها . وليس فيكم من تنقطع دونه الأعناق إليه مثل أبي بكر ، فمن بايع رجلاً عن غير مشورة المسلمين ، فإنه لا بيعة له هو ، ولا الذي بايعه ، تغرة أن يقتلا . إنه كان من خبرنا -حين توفى الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم- أن الأنصار خالفونا، فاجتمعوا بأشرافهم في سقيفه بني ساعدة. وتخلف عنا علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ، ومن معهما . واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر . فقلت لأبي بكر : انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء الأنصار . فانطلقنا نؤمهم ، حتى لقينا منهم رجلان صالحان ، فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم . وقالا لنا : أين تريدون يا معاشر المهاجرين ؟ قلنا : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار . فقالا : لا عليكم ، ألا تقربوهم يا معشر المهاجرين ، اقضوا أمركم. قال: قلت : والله لنأتينهم. فانطلقنا ، حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة . فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل ، فقلت : من هذا ؟ قالوا : سعد بن عبادة ، قلت : ما له ؟ قالوا : وجع. فلما جلسنا ، تشهد خطيبهم. فأ ثنى على الله عز وجل بما هو له أهل ، ثم قال : أما بعد ، فنحن أنصار الله ، وكتيبة الإسلام ، وأنتم يا معشر المهاجرين ، رهط منا ، وقد دفت دافة من قومكم ، قال: وإذا هم يريدون أن يختارونا من أصلنا ، ويغتصبونا الأمر. فلما سكت أردت أن أتكلم -وقد زورت في نفسي مقالة قد أعجبتني ، أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر. وكنت أداري منه بعض الحد . فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر. فكرهت أن أعصيه . فتكلم -وهو كان أعلم مني وأحكم وأحلم وأوقر- فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهته ، أو أفضل ، حتى سكت . فقال : أما بعد ، فما ذكرتم فيكم من خير ، فأنتم له أهل . ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش . هم أوسط العرب نسباً وداراً . وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ، فبايعوا الآن أيهما شئتم . فأخذ بيدي ، وبيد أبي عبيدة عامر بن الجراح -وهو جالس بيننا- فلم أكره شيئاً مما قال غيرها ، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم ، أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر . قال : فقال قائل من الأنصار : أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ، منا أمير ومنكم أمير ، يا معشر قريش . قال : فكثر اللغط ، و ارتفعت الأصوات، حتى خشينا الاختلاف . فقلت : ابسط يدك يا أبا بكر . فبسطها ، فبايعته . ثم بايعه المهاجرون ، ثم بايعه الأنصار . ونزونا على سعد بن عبادة ، فقال قائل منهم : قتلتم سعد بن عبادة . قال : قتل الله سعد بن عبادة . | |
بعث أسامة بن زيد إلى البلقاء :
ولما كان يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة . أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالتهيؤ لغزو الروم ، فلما كان من الغد دعا أسامة بن زيد ، وأمره أن يسير إلى موضع مقتل أبيه زيد بن حارثة ، وأن يوطىء الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين ، فتجهز الناس ، وأوعب مع أسامة المهاجرون والأنصار . ثم استبطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس في بعث أسامة -وهو في وجعه- فخرج عاصباً رأسه حتى جلس على المنبر-وكان المنافقون قد قالوا في إمارة أسامة : أمر غلاماً حدثاً على جلة المهاجرين والأنصار . فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً ، وخرج عاصباً رأسه - | |
وكان قد بدأ به الوجع- فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ؟ ثم قال : أيها الناس، أنفذوا بعث أسامة ، فلئن طعنتم في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه . وأيم الله إن كان لخليقاً للإمارة ، وإن كان أبوه لمن أحب الناس إلي وإن هذا لمن أحب الناس إلي من بعده ، ثم نزل . وانكمش الناس في جهازهم ، فاشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه . وخرج أسامة بجيشه ، فعسكر بالجرف ، وتتام إليه الناس ، فأقاموا لينظروا م ا الله تبارك وتعالى قاض في رسوله صلى الله عليه وسلم | |
الدعاء الذي كان يدعو به صلى الله عليه وسلم في الصلاة
وأكثر الدعاء بالدعاء الذي صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو به في الصلاة ، وهو : اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السموات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ونزيد المسألة إيضاحاً ودلائل لشدة الحاجة إليها ، فنقول : ليتفطن العاقل لقصة واحدة منها وهي أن بني حنيفة أشهر أهل الردة، وهم الذين يعرفهم العامة من أهل | |
الردة ، وهم عند الناس أقبح أهل الردة ، وأعظمهم كفراً ، وهم -مع هذا- يشهدون : أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ويؤذنون ويصلون ، ومع هذا فإن أكثرهم يظنون أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بذلك ، لأجل الشهود الذين شهدوا مع الرجال . والذي يعرف هذا -ولا يشك فيه- يقول : من قال : لا إله إلا الله فهو المسلم ، ولو لم يكن معه من الإسلام شعرة ، بل قد تركه واستهزأ به متعمداً . فسبحان الله مقلب القلوب كيف يشاء !! كيف يجتمع في قلب من له عقل -ولو كان من أجهل الناس- أنه يعرف أن بني حنيفة كفروا ، مع أن ح الهم ما ذكرنا، وأن البدو إسلام ، ولو تركوا الإسلام كله ، وأنكروه ، واستهزؤوا به على عمد ، لأنهم يقولوا : لا إله إلا الله ، لكن أشهد أن الله على كل شئ قدير ، نسأله أن يثبت قلوبنا على دينه ، ولا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا ، وأن يهب لنا منه رحمة ، إنه هو الوهاب . | |
موت رسول الله صلى الله عليه وسلم :
![]() | قال الزهري : حدثني أنس قال : كان يوم الإثنين الذي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خرج إلى الناس ، وهم يصلون الصبح ، فرفع الستر وفتح الباب . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقام على باب عائشة . فكاد المسلمون يفتتنون في صلاتهم -فرحاً به ، حين رأوه ، وتفرجوا عنه- فأشار إليهم : أن اثبتوا على صلاتكم قال : وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سروراً ، لما رأى من هيأتهم في صلاتهم . |
وما رؤي أحسن منه هيئة تلك الساعة . قال : ثم رجع ، وانصرف الناس ، وهم يرون أنه قد أفرق من وجعه . وخرج أبو بكر إلى أهله بالسنح . فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الضحى من ذلك اليوم . قال ابن إسحاق : قال الزهري : حدثني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال : لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عمر ، فقال : إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفي ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما مات، ولكنه قد ذهب إلى ربه ، كما ذهب موسى بن عمران فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل مات. ووالله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد حين ، كما رجع موسى ، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنه قد مات . قال : وأقبل أبو بكر ، حتى نزل على باب المسجد . حين بلغه الخبر -وعمر يكلم الناس- فلم يلتفت إلى شئ ، حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى في ناحية البيت ، عليه بردة حبرة . فأقبل حتى كشف عن وجهه . ثم أقبل عليه فقبله . ثم قال : بأبي أنت وأمي ، أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها ، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبداً . ثم رد البرد على وجهه . وخرج -وعمر يكلم الناس- فقال : على رسلك يا عمر ، أنصت ، فأبى إلا أن يتكلم . فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس . فلما سمع الناس كلام أبي بكر أقبلوا عليه ، وتركوا عمر . فحمد الله تعالى ، وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إنه من كان يعبد محمداً ، فإن محمداً قد مات . ومن كان يعبد الله تعالى ، فإن الله حي لا يموت . ثم تلا هذه الآية : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين . قال : فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآ ية نزلت ، حتى تلاها أبو بكر يومئذ ، قال : وأخذها الناس عن أبي بكر ، فإنما هي في أفواههم . قال أبو هريرة : فقال عمر : فو الله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها ، فعثرت حتى وقعت على الأرض ، ما تحملني رجلاي ، وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات . | |
الدليل الثالث : ما وقع في زمان الخلفاء الراشدين : قصة أصحاب علي بن أبي طالب
![]() | -لما اعتقدوا فيه الألوهية التي تعتقد اليوم في أناس مز أكفر بني آدم وأفسقهم- فدعاهم إلى التوبة فأبوا ، فخد لهم الأخاديد ، وملأها حطباً ، وأضرم فيها النار وقذفهم فيها وهم أحياء . ومعلوم أن الكافر -مثل اليهودي والنصراني- إذا أمر الله بقتله لا يجوز إحراقه بالنار ، فعلم أنهم أغلظ كفراً من اليهود والنصارى . هذا ، وهم يقومون الليل ، ويصومون النهار ، ويقرؤون القرآن ، آخذين له عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما غلوا في علي ذلك الغلو |
أحرقهم بالنار وهم أحياء ، وأجمع الصحابة وأهل العلم كلهم على كفرهم ، فأين هذا ممن يقول في البدو تلك المقالة ، مع اعترافه بالذه القصة وأمثالها ، واعترافه : أن البدو كفروا بالإسلام كله ، إلا أنهم يقولون لا إله إلا الله ؟ واعلم : أن جناية هؤلاء إنما هي على الألوهية ، وما علمنا فيهم جناية على النبوة ، والذين قبلهم جناياتهم على النبوة، وما علمنا لهم جناية على الألوهية ، وهذا مما يبين لك شيئاً من معنى الشهادتين اللتين هما أصل الإسلام . | |
الدليل الرابع : ما وقع في زمن الصحابة أيضاً
: وهي قصة المختار بن أبي عبيد الثقفي ، وهو رجل من التابعين . مصاهر لعبد الله بن عمر رضي الله عنه وعن أبيه، مظهر للصلاح. فظهر في العراق يطلب بدم الحسين وأهل بيته ، فقتل ابن زياد ، ومال إليه من مال ، لطلبه دم أهل البيت ممن ظلمهم ابن زياد ، فاستولوا على العراق ، وأظهر شرائع الإسلام ، ونصب القضاة والأئمة من أصحاب ابن مسعود رضي الله عنه . وكان هو الذي يصلي بالناس الجمعة والجماعة ، لكن في آخر أمره : زعم أنه يوحى إليه ، فسير إليه عبد الله بن الزبير جيشاً ، فهزموا جيشه وقتلوه ، وأمير الجيش مصعب بن الزبير ، وتحته امرأة أبوها أحد الصحابة ، فدعاها مصعب إلى تكفيره فأبت ، فكتب إلى أخيه عبد الله يستفتيه فيها ، فكتب إليه : إن لم تبرأ منه فاقتلها . | |
فامتنعت ، فقتلها مصعب . وأجمع العلماء كلهم على كفر المختار -مع إقامته شعائر الإسلام- لما جنى على النبوة . وإذا كان الصحابة قتلوا المرأة التي هي من بنات الصحابة لما امتنعت من تكفيره ، فكيف بمن لم يكفر البدو مع إقراره بحالهم ، فكيف بمن زعم أنهم هم أهل الإسلام ، ومن دعاهم إلى الإسلام هو الكافر ؟ يا ربنا نسألك العف و والعافية . | |
الدليل الخامس : ما وقع في زمن التابعين
الدليل السادس : قصة بني عبيد القداح
| وذلك قصة الجعد بن درهم ، وكان من أشهر الناس بالعلم والعبادة ، فلما جحد شيئاً من صفات الله - مع كونها مقالة خفية عند الأكثر- ضحى به خالد بن عبد الله القسري يوم عيد الأضحى ، فقال : أيها الناس ، ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم ، فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ، ولم يكلم موسى تكليماً . ثم نزل فذبحه ، ولم يعلم أن أحداً من العلماء أنكر ذلك عليه ، بل ذكر ابن القيم إجماعهم على استحسانه ، فقال : شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان فإذا كان رجل من أشهر الناس بالعلم والعبادة ، أخذ العلم عن الصحابة ، أجمعوا على استحسان قتله ، فأين هذا من اعتقاد أعداء الله في البدو ؟ | ||||
![]() | : وذلك : أنهم بعدما فعلوا بالمسلمين ما فعلوا ، وسكنوا بلاد المسلمين ، وعرفوا دين الإسلام ، استحسنوه وأسلموا ، لكن لم يعملوا بما يجب عليهم من شرائعه ، وأظهروا أشياء من الخروج عن الشريعة ، لكنهم كانوا يتلفظون بالشهادتين، ويصلون الصلوات الخمس والجمعة والجماعة ، وليسوا كالبدو ، ومع هذا كفرهم العلماء ، وقاتلوهم وغزوهم ، حتى أزالهم الله عن بلدان المسلمين وفيما ذكرنا كفاية لمن هداه الله وأما من أراد الله فتنته : فلو تناطحت الجبال بين يديه لم ينفعه ذلك . ولو ذكرنا ما جرى من السلاطين والقضاة ، من قتل من أتى بأمور يكفر بها - ولو كان يظهر شعائر الإسلام - وقامت عليه البينة باستحقاقه للقتل ، مع أن في هؤلاء المقتولين من كان من أعلم الناس ، وأزهدهم وأعبدهم في الظاهر ، مثل الحلاج وأمثاله، ومن هو من الفقهاء المصنفين ، كالفقيه عمارة . فلو ذكرنا قصص هؤلاء لاحتمل مجلدات ، ولا نعرف فيهم رجلاً واحداً بلغ كفره كفر البدو الذين يقول عنهم -من يزعم إسلامهم-: إنه ليس |
معهم من الإسلام شعرة إلا قول لا إله إلا الله، ولكن من يهد الله فهو المهتدي ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً . والعجب : أن الكتب التي بأيديهم ، والتي يزعمون أنهم يعرفونها ويعملون بها ، فيها مسائل الردة . وتمام العجب : أنهم يعرفون بعض ذلك ويقرون به ، ويقولون : من أنكر البعث كفر ، ومن شك فيه كفر ، ومن سب الشرع كفر ، ومن أنكر فرعاً مجمعاً عليه كفر ، كل هذا يقولونه بألسنتهم . فإذا كان من أنكر الأكل باليمين ، أو أنكر النهي عن إسبال الثياب ، أو أنكر سنة الفجر أو الوتر ، فهو كافر . ويصرحون : أن من أنكر الإسلام كله وكذب به ، واستهزأ بمن صدقه ، فهو أخوك المسلم ، حرام الدم والمال ، ما دام يقول : لا إله إلا الله ثم يكفروننا ، ويستحلون دماءنا وأموالنا ، مع أنا نقول : لا إله إلا الله، فإذا سئلوا عن ذلك ؟ قالوا : من كفر مسلماً فقد كفر . ثم لم يكفهم ذلك حتى أفتوا لمن عاهدنا بعهد الله ورسوله : أن ينقض العهد وله في ذلك ثواب عظيم ، ويفتون من عنده أمانة لنا ، أو مال يتيم : أنه يجوز له أكل أمانتنا ، ولو كانت مال يتيم ، بضاعة عنده أو وديعة ، بل يرسلون الرسائل لدهام بن دواس وأمثاله : إذا حاربوا التوحيد ونصروا عبادة الأصنام ، يقولون : أنت يا فلان قمت مقام الأنبياء . مع إقرارهم أن التوحيد - الذين ندعو إليه ، وكفروا به وصدوا الناس عنه - هو دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وأن الشرك -الذي نهينا الناس عنه، ورغبوهم هم فيه ، وأمروهم بالصبر على آلهتهم- : أنه الشرك الذي نهى عنه الأنبياء ، ولكن هذه من أكبر آيات الله ، فمن لم يفهمها فليبك على نفسه ، والله سبحانه وتعالى أعلم . | |
محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان . إلى هنا معلوم الصحة . وما فوق عدنان مختلف فيه . ولا خلاف أن عدنان من ولد إسماعيل ، واسماعيل هو الذبيح على القول الصواب ، والقول بأنه إسحاق باطل . ولا خلاف أنه صلى الله عليه وسلم ولد بمكة عام الفيل ، وكانت وقعة الفيل تقدمة قدمها الله لنبيه وبيته ، وإلا فأهل الفيل نصارى أهل كتاب ، دينهم خير من دين أهل مكة ، لأنهم عباد أوثان ، فنصرهم الله نصراً لا صنع للبشر فيه ، تقدمة للنبي صلى الله عليه وسلم الذي أخرجته قريش من مكة ، وتعظيماً للبلد الحرام |
قصة الفيل
وكان سبب قصة أصحاب الفيل -على ما ذكر محمد بن إسحاق - أن أبرهة بن الصباح كان عاملاً للنجاشي ملك الحبشة على اليمن ، فرأى الناس يتجهزون أيام الموسم إلى مكة - شرفها الله - فبنى كنيسة بصنعاء ، وكتب إلى النجاشي : إني بنيت لك كنيسة لم يبن مثلها ، ولست منتهياً حتى أصرف إليها حج العرب، فسمع به رجل من بني كنانة ، فدخلها ليلاً ، فلطخ قبلتها بالعذرة ، فقال أبرهة : من الذي اجترأ على هذا ؟ قيل : رجل من أهل ذلك البيت ، سمع بالذي قلت . فحلف أبرهة ليسيرن إلى الكعبة حتى يهدمها ، وكتب إلى النجاشي يخبره بذلك ، فسأله أن يبعث إليه بفيله ، وكان له فيل يقال له : محمود ، لم ير مثله عظماً وجسماً وقوة ، فبعث به إليه ، فخرج أبرهة سائراً إلى مكة ، فسمعت العرب بذلك فأعظموه ، ورأوا جهاده حقاً عليهم . فخرج ملك من ملوك اليمن ، يقال له : ذو نفر ، فقاتله ، فهزمه أبرهة وأخذه أسيراً ، فقال : أيها الملك استبقني خيراً لك . | |
فاستحياه وأوثقه . وكان أبرهة رجلاً حليماً ، فسار حتى إذا دنا من بلاد خثعم خرج إليه نفيل بن حبيب الخثعمي ، ومن اجتمع إليه من قبائل العرب ، فقاتلوهم فهزمهم أبرهة ، فأخذ نفيلاً ، فقال له : أيه ا الملك ، إنني دليلك بأرض العرب ، وهاتان يداي على قومي بالسمع والطاعة ، فاستبقني خيراً لك . فاستبقاه ، وخرج معه يدله على الطريق . فلما مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب في رجال من ثقيف ، فقال له : أيها الملك ! نحن عبيدك ، ونحن نبعث معك من يدلك ، فبعثوا معه بأبي رغال مولى لهم ، فخرج حتى إذا كان بالمغمس مات أبو رغال ، وهو الذي يرجم قبره . وبعث أبرهة رجلاً من الحبشة -يقال له : الأسود بن مفصود- على مقدمة خيله وأمر بالغارة على نعم الناس ، فجمع الأسود إليه أموال الحرم ، وأصاب لعبد المطلب مائتي بعير . ثم بعث رجلاً من حمير إلى أهل مكة ، فقال : أبلغ شريفها أنني لم آت لقتال ، بل جئت لأهدم البيت . فانطلق ، فقال لعبد المطلب ذلك . فقال عبد المطلب : ما لنا به يدان ، سنخلي بينه وبين ما جاء له ، فإن هذا بيت الله وبيت خليله إبراهيم ، فإن يمنعه فهو بيته وحرمه ، وإن يخلي بينه وبين ذلك فوالله ما لنا به من قوة . قال : فانطلق معي إلى الملك -وكان ذو نفر صديقاً لعبد المطلب- فأتاه ، فقال : يا ذا نفر ، هل عندك غناء فيما نزل بنا ؟ فقال : ما غناء رجل أسير لا يأمن أن يقتل بكرة أو عشياً ، ولكن سأبعث إلى أنيس سائس الفيل ، فإنه لي صديق ، فأسأله أن يعظم خطرك عند الملك ، فأرسل إليه ، فقال لأبرهة : إن هذا سيد قريش يستأذن عليك، وقد جاء غير ناصب لك ، ولا مخالف لأمرك ، وأنا أحب أن تأذن له . وكان عبد المطلب رجلاً جسيماً وسيماً ، فلما رآه أبرهة أعظمه وأكرمه ، وكره أن يجلس معه على سريره ، وأن يجلس تحته ، فهبط إلى البساط ، فدعاه فأجلسه معه ، فطلب منه أن يرد عليه مائتي البعير التي أصابها من ماله . فقال أبرهة لترجمانه : قل له : إنك كنت أعجبتني حين رأيتك ، ولقد زهدت فيك . قال : لم ؟ قال : جئت إلى بيت -هو دينك ودين آبائك ، وشرفكم وعصمتكم- لأهدمه ، فلم تكلمني فيه ، وتكلمني في مائتي بعير ؟ قال : أنا رب الإبل ، والبيت له رب يمنعه منك. فقال : ما كان ليمنعه مني . قال : فأنت وذاك . فأمر بإبله فردت عليه ، ثم خرج . وأخبر قريشاً الخبر ، وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب ، ويتحرزوا في رؤوس الجبال ، خوفاً عليهم من معرة الجيش ، ففعلوا . وأتى عبد المطلب البيت ، فأخذ بحلقة الباب ، وجعل يقول : يا رب لا أرجو لهم سواكا يا رب فامنع منهمو حماكا إن عدو البيت من عاداكا فامنعهمو أن يخربوا قراكا وقال أيضاً : لا هم إن المرء يمنع رحله وحلاله فامنع حلالك لايغلبـن صليبهــم ومحـــالهم غــــدراً محالــــك جروا جموعهم هم والفيــل كي يسبـوا عيـالك إن كنت تـاركهم وكعبتنا فأمـر مــا بــدا لــك ثم توجه في بعض تلك الوجوه مع قومه ، وأصبح أبرهة بالمغمس قد تهيأ للدخول ، وعبأ جيشه ، وهيأ فيله ، فأقبل نفيل إلى الفيل ، فأخذ بإذنه ، فقال : أبرك محمود فإنك في بلد الله الحرام . فبرك الفيل ، فبعثوه فأبى . فوجهوه إلى اليمن ، فقام يهرول ، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك ، ووجهوه إلى المشرق ففعل ذلك ، فصرفوه إلى الحرم فبرك . وخرج نفيل يشتد حتى صعد الجبل ، فأرسل الله طيراً من قبل البحر ، مع كل طائر ثلاثة أحجار : حجرين في رجليه وحجراً في منقاره ، فلما غشيت القوم أرسلتها عليهم ، فلم تصب تلك الحجارة أحداً إلا هلك ، وليس كل القوم أصابت ، فخرج البقية هاربين يسألون عن نفيل ، ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فماج بعضهم في بعض ، يتساقطون بكل طريق ، ويهلكون على كل منهل . وبعث الله على أبرهة داء في جسده، فجعلت تساقط أنامله ، حتى انتهى إلى صنعاء وهو مثل الفرخ ، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ثم هلك . رجعنا إلى سيرته صلى الله عليه وسلم . | |
قد اختلف في وفاة أبيه : هل توفي بعد ولادته أو قبلها ؟ الأكثر : على أنه توفي وهو حمل . ولا خلاف أن أمه ماتت بين مكة والمدينة بالأبواء ، منصرفها من المدينة من زيارة أخواله ، ولم يستكمل إذ ذاك ست سنين . فكفله جده عبد المطلب ، ورق عليه رقة لم يرقها على أولاده ، فكان لا يفارقه ، وما كان أحد من ولده يجلس على فراشه -إجلالاً له- إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقدم مكة قوم من بني مدلج من القافة ، فلما نظروا إليه قالوا لجده : احتفظ به ، فلم نجد قدماً أشبه بالقدم الذي في المقام من قدمه ، فقال لأبي طالب : اسمع ما يقول هؤلاء ، واحتفظ به . وتوفي جده في السنة الثامنة من مولده ، وأوصى به إلى أبي طالب ، وقيل : إنه قال له : أوصيك يا عبد مناف بعدي بمفرد بعـد أبيـه فـرد وكنت كالأم في الوجد تدنيه من أحـشـائها والكـبد فأنت من أرجى بني عندي لرفع ضيم ولشد عضد |
قال ابن إسحاق : وكان عبد المطلب من سادات قريش ، محافظاً على العهود ، متخلقاً بمكارم الأخلاق ، يحب المساكين ، ويقوم في خدمة الحجيج ، ويطعم في الأزمات ، ويقمع الظالمين ، وكان يطعم حتى الوحوش والطير في رؤوس الجبال ، وكان له أولاد أكبرهم الحارث ، توفي في حياة أبيه ، وأسلم من أولاد الحارث : عبيدة قتل ببدر ، وربيعة ، وأبو سفيان ، وعبد الله . ومنهم : الزبير بن عبد المطلب شقيق عبد الله ، وكان رئيس بني هاشم وبني المطلب في حرب الفجار ، شريفاً شاعراً ، ولم يدرك الإسلام وأسلم من أولاده . عبد الله واستشهد بأجنادين ، وضباعة ، ومجل ، وصفية ، وعاتكة . وأسلم منهم حمزة بن عبد المطلب ، والعباس . ومنهم : أبو لهب مات عقيب بدر ، وله من الولد : عتيبة الذي دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقتله السبع . وله عتبة ، ومعتب، أسلما يوم الفتح .ومن بناته : البيضاء أم حكيم ، تزوجها كرز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس ، فولدت له عامراً وأروى، فتزوج أروى عفان بن أبي العاص بن أمية، فولدت له عثمان ، ثم خلف عليها عقبة بن أبي | |
معيط ، فولدت له الوليد بن عقبة، وعاشت إلى خلافة ابنها عثمان ، ومنهن : برة بنت عبد المطلب ، أم أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي . ومنهن : عاتكة أم عبد الله بن أبي أمية ، وهي صاحبة المنام قبل يوم بدر ، واختلف في إسلامها . ومنهن : صفية أم الزبير بن العوام ، أسلمت وهاجرت . وأروى أم آل جحش - عبد الله وأبي أحمد ، وعبيد الله وزينب ، وحمنة . وأم عبد المطلب : هي سلمى بنت عمرو بن زيد من بني النجار ، تزوجها أبوه هاشم بن عبد مناف ، فخرج إلى الشام - وهي عند أهلها ، قد حملت بعبد المطلب- فمات بغزة . فرجع أبو رهم بن عبد العزى وأصحابه إلى المدينة بتركته . وولدت امرأته سلمى : عبد المطلب ، وسمته شيبة الحمد ، فاقام في أخواله مكرماً . فبينما هو يناضل الصبيان ، فيقول : أنا ابن هاشم ، سمعه رجل من قريش ، فقال لعمه المطلب : إني مررت بدور بني قيلة ، فرأيت غلاماً يعتزي إلى أخيك ، وما ينبغي ترك مثله في الغربة ، فرحل إلى المدينة في طلبه ، فلما رآه فاضت عيناه ، وضمه إليه ، وأنشد شعراً : عرفت شيبة والنجار قد جعلت أبناءها حوله بالنبل تنتضل عرفت أجــلاده فيـنا وشــيمتـه فـفاض مني عليه وابل هطـل فأردفه على راحلته ، فقال : يا عم ، ذلك إلى الوالدة . فجاء إلى أم ه ، فسألها أن ترسل به معه ، فامتنعت . فقال لها : إنما يمضي إلى ملك أبيه ، وإلى حرم الله . فأذنت له . فقدم به مكة ، فقال الناس : هذا عبد المطلب ، فقال : ويحكم إنما هو ابن أخي هاشم . فأقام عنده حتى ترعرع ، فسلم إليه ملك هاشم من أمر البيت ، والرفادة، والسقاية ، وأمر الحجيج ، وغير ذلك . وكان المطلب شريفاً مطاعاً جواداً ، وكانت قريش تسميه الفياض لسخائه ، وهو الذي عقد الحلف بين قريش وبين النجاشي ، وله من الولد : الحارث ، ومخرمة ، وعباد ، وأنيس ، وأبو عمر ، وأبو رهم ، وغيرهم . ولما مات وثب نوفل بن عبد مناف على أركاح شيبة ، فغصبه إياها ، فسأل رجالاً من قريش النصرة على عمه ، فقالوا : لا ندخل بينك وبين عمك . فكتب إلى أخواله من بني النجار أبياتاً ، منها : يا طــول ليلـي لأحزاني وأشغــالي هل من رسول إلى النجار أخوالي بنـــي عــــدي ودينـــار ومازنـــها ومالك عصمة الحيران عن حـــالي قد كنت فيهم وما أخشى ظلامة ذي ظلم عزيزاً منيــــعاً ناعــم البـــال حتى ارتحلت إلى قومي وأزعجني لــذاك مطلب عمــي بترحـــــالـــي فغاب مطـلـب في قعـر مظــلـمـة ثم انبــرى نوفــل يعـدو على مـــالي لــمــا رأى رجـــلاً غابت عمــومــته وغاب أخـــواـله عنـه بلا والــــي فاستنفروا وامنعـوا ضيم ابن أختكم لا تخـــذلوه فمـــا أنتم بخــذالي فلما وقف خاله أبو سعد بن عدي بن النجار على كتابه بكى ، وسار من المدينة في ثمانين راكباً ، حتى قدم مكة. فنزل بالأبطح، فتلقاه عبد المطلب ، وقال : المنزل يا خال ، فقال : لا والله حتى ألقى نوفلاً ، فقال : تركته بالحجر جالساً في مشايخ قومه ، فأقبل أبو سعد حتى وقف عليهم ، فقام نوفل قائماً ، فقال : يا أبا سعد ، أنعم صباحاً . فقال : لا أنعم الله لك صباحاً ، وسل سيفه ، وقال : ورب هذا البيت ، لئن لم ترد على ابن أختي أركاحه لأمكنن منك هذا السيف . فقال : رددتها عليه . فأشهد عليه مشايخ قريش . ثم نزل على شيبة ، فأقام عنده ثلاثاً ، ثم اعتمر ورجع إلى المدينة ، فقال عبد المطلب : ويأبى مازن وأبـو عدي ودينـــار بن تيــم الله ضيــمــي بهم رد الإله علي ركحي وكانوا في انتساب دون قومي فلما جرى ذلك حالف نوفل بني عبد شمس بن عبد مناف على بني هاشم ، وحالفت بنو هاشم خزاعة على بني عبد شمس ونوفل، فكان ذلك سبباً لفتح مكة ، كما سيأتي . فلما رأت خزاعة نصر بني النجار لعبد المطلب ، قالوا : نحن ولدناه كما ولدتموه ، فنحن أحق بنصره، وذلك أن أم عبد مناف منهم. فدخلوا دار الندوة وتحالفوا وكتبوا بينهم كتاباً . | |
عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأما عبد الله ، والد النبي صلى الله عليه وسلم : فهو الذبيح . وسبب ذلك : أن عبد المطلب أمر في المنام بحفر زمزم ، ووصف له موضعها . وكانت جرهم قد غلبت آل إسماعيل على مكة ، وملكوها زماناً طويلاً ، ثم أفسدوا في حرم الله . فوقع بينهم وبين خزاعة حرب ، وخزاعة من قبائل اليمن ، من أهل سبأ، ولم يدخل بينهم بنو إسماعيل . فغلبتهم خزاعة ، ونفت جرهماً من مكة ، وكانت جرهم قد دفنت الحجر الأسود ، والمقام وبئر زمزم . وظهر بعد ذلك قصي بن كلاب على مكة ، ورجع إليه ميراث قريش ، فأنزل بعضهم داخل مكة - وهم قريش الأباطح - وبعضهم خارجها - وهم قريش الظواهر - فبقيت زمزم مدفونة إلى عصر عبد المطلب . فرأى في المنام موضعها ، فقام يحفر ، فوجد فيها سيوفاً مدفونة وحلياً، وغزالاً من ذهب مشنفاً بالدر. | |
فنذر حينئذ عبد المطلب : لئن آتاه الله عشرة أولاد ، وبلغوا أن يمنعوه : لينحرن أحدهم عند الكعبة ، فلما تموا عشرة، وعرف أنهم يمنعونه أخبرهم بنذره فأطاعوه . وكتب كل منهم اسمه في قدح ، وأعطوها القداح قيم هبل -وكان الذي يجيل القداح- فخرج القدح على عبد الله ، وأخذ عبد المطلب المدية ليذبحه . فقامت إليه قريش من ناديها فمنعوه . فقال : كيف أصنع بنذري ؟ فأشاروا عليه : أن ينحر مكانه عشراً من الإبل . فأقرع بين عبد الله وبينها ، فوقعت القرعة عليه ، فاغتم عبد المطلب ، ثم لم يزل يزيد عشراً عشراً ، ولا تقع القرعة إلا عليه ، إلى أن بلغ مائة . فوقعت القرعة على الإبل ، فنحرت عنه ، فجرت سنة . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أنا ابن الذبيحين ، يعني : إسماعيل عليه السلام وأباه عبد الله . ثم ترك عبد المطلب الإبل لا يرد عنها إنساناً ولا سبعاً ، فجرت الدية في قريش والعرب مائة من الإبل ، وأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام . وقالت صفية بنت عبد المطلب : نحن حفرنا للحجيج زمزم سقيا الخليل وابنه المكرم جبريـل الذي لـم يذمم شفاء سقم وطعام مطعم | |
وأما أبو طالب : فهو الذي تولى تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعد جده كما تقدم ، ورق عليه رقة شديدة ، وكان يقدمه على أولاده . قال الواقدي : قام أبو طالب -من سنة ثمان من مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السنة العاشرة من النبوة ثلا وأربعين- يحوطه ويقوم بأمره ، ويذب عنه ، ويلطف به . وقال أبو محمد بن قدامة : كان يقر بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، وله في ذلك أشعار . منها : ألا أبلغا عني على ذات بيننا لؤياً وخصا من لوي بني كعـب بأنا وجدنا في الكتاب محمداً نبياً كموسى خط في أول الكتب وأن عليه في العباد محبة ولا خير ممن خصه الله بالحـب ومنها : تعلم خيار الناس أن محمداً وزيراً لموسى والمسيح ابن مريم فلا تجعلوا لله نداً وأسلموا فإن طريق الحق ليس بمظلم ولكنه أبى أن يدين بذلك خشية العار ، ولما حضرته الوفاة : دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم -وعنده أبو جهل ، وعبد الله بن | |
أبي أمية- فقال : يا عم ! قل : لا إله إلا الله ، كلمة أحاج لك بها عند الله، فقالا له : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل صلى الله عليه وسلم يرددها عليه ، وهما يرددان عليه حتى كان آخر كلمة قالها : هو على ملة عبد المطلب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فأنزل الله تعالى : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ، ونزل قوله تعالى : إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء الآية . قد ابن إسحاق : وقد رثاه ولده علي بأبيات ، منها : أرقت لطير آخر الليل غردا يـذكرني شجـواً عظــيماً مجددا أبا طالب مأوى الصعاليك ذا الندى جواداً إذا ما أصدر الأمر أوردا فأمست قريش يفرحون بمـــوته ولســـت أرى حياً يكون مخلداً أزادوا أموراً زيفتها حلومهم ستوردهم يوماً من الغي موردا يرجـون تكذيب النبي وقتله وأن يفترى قدماً عليه ويجحدا كذبتم وبيت الله حتى نذيقكم صدور العوالي والحسام المهندا خلف أبو طالب أربعة ذكور وابنتين . فالذكور : طالب ، وعقيل ، وجعفر ، وعلي ، وبين كل واحد عشر سنين . فطالب أسنهم ، ثم عقيل ، ثم جعفر ، ثم علي . فأما طالب : فأخرجه المشركون يوم بدر كرهاً ، فلما انهزم الكفار طلب ، فلم يوجد في القتلى ، ولا في الأسرى ، ولا رجع إلى مكة ، وليس له عقب . وأما عقيل : فأسر ذلك اليوم ، ولم يكن له مال . ففداه عمه العباس ، ثم رجع إلى مكة . فأقام بها إلى السنة الثامنة ، ثم هاجر إلى المدينة . فشهد مؤتة مع أخيه جعفر ، وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : وهل ترك لنا عقيل من منزل . واستمرت كفالة أبي طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم - كما ذكرنا - . فلما بلغ اثنتي عشرة سنة -وقيل : تسعاً- خرج به أبو طالب إلى الشام في تجارة ، فرآه بحيرى الراهب ، وأمر عمه أن لا يقدم به الشام ، خوفاً عليه من اليهود ، فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى المدينة . ووقع في الترمذي : إنه بعث معه بلالاً ، وهو غلط واضح . فإن بلالاً إذ ذاك لعله لم يكن موجوداً . | |
فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين سنة : خرج إلى الشام في تجارة لخديجة رضي الله عنها ، ومعه ميسرة غلامها ، فوصل بصرا . ثم رجع فتزوج عقب رجوعه خديجة بنت خويلد . وهي أول امرأة تزوجها ، وأول امرأة ماتت من نسائه ، ولم ينكح عليها غيرها . وأمره جبريل : أن يقرأ عليها السلام من ربها ويبشرها ببيت في الجنة من قصب . |
![]() | ثم حبب إليه الخلاء ، والتعبد لربه ، فكان يخلو بغار حراء يتعبد فيه . وبغضت إليه الأوثان ودين قومه ، فلم يكن شئ أبغض إليه من ذلك . وأنبته الله نباتاً حسناً ، حتى كان أفضل قومه مروءة ، وأحسنهم خلقاً ، وأعزهم جواراً ، وأعظمهم حلماً ، وأصدقهم حديثاً ، وأحفظهم لأمانة . حتى سماه قومه الأمين لما جمع الله فيه من الأحوال الصالحة ، والخصال الكريمة المرضية . |
ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً وثلاثين سنة : قامت قريش في بناء الكعبة حين تضعضعت . قال أهل السير : كان أمر البيت -بعد إسماعيل عليه السلام- إلى ولده . ثم غلبت جرهم عليه ، فلم يزل في أيديهم حتى استحلوا حرمته ، وأكلوا ما يهدى إليه ، وظلموا من دخل مكة ، ثم وليت خزاعة البيت بعدهم ، إلا أنه كان إلى قبائل مضر ثلاث خلال : الإجازة | |
بالناس من عرفة يوم الحج إلى مزدلفة ، تجيزهم صوفة . والثانية : الإفاضة من جمع ، غداة النحر إلى منى . وكان ذلك إلى يزيد بن عدوان ، وكان آخر من ولي ذلك منهم أبو سيارة . والثالثة : إنساء الأشهر الحرم . وكان إلى رجل من بني كنانة يقال له حذيفة ، ثم صار إلى جنادة بن عوف . قال ابن إسحاق : ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً وثلاثين سنة ، جمعت قريش لبنيان الكعبة ، وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها ، ويهابون هدمها ، وإنما كانت رضماً فوق القامة . فأرادوا رفعها وتسقيفها . وذلك أن قوماً سرقوا كنز الكعبة ، وكان في بئر في جوف الكعبة ، وكان البحر قد رمى سفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم ، فتحطمت فأخذوا خشبها فأعدوه لسقفها . وكان بمكة رجل قبطي نجار ، فه يأ لهم بعض ما كان يصلحها ، وكانت حية تخرج على بئر الكعبة التي كان يطرح فيه ما يهدى لها كل يوم ، فتتشرق على جدار الكعبة ، وكانت مما يهابون ، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا أحزألت وكشت وفتحت فاها . فبينما هي ذات يوم تتشرق على جدار الكعبة ، بعث الله إليها طائراً فاختطفها ، فذهب بها . فقالت قريش : إنا لنرجو أن يكون الله قد رضي ما أردنا ، عندنا عامل رفيق ، وعندنا خشب ، وقد كفانا الله الحية . فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنائها . قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ المخزومي فتناول من الكعبة حجراً ، فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه ، فقال : يا معشر قريش ! لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيباً ، لا يدخل فيها مهر بغي ، ولا بيع ربا ، ولا مظلمة أحد من الناس . ثم إن قريشاً تجزأت الكعبة . فكان شق الباب : لبني عبد مناف وزهرة . وما بين الركن الأسود واليماني : لبني مخزوم ، وقبائل من قريش انضافت إليهم . وكان ظهر الكعبة : لبني جمح وبني سهم . وكان شق الحجر : لبني عبد الدار ، ولبني أسد بن عبد العزى ، ولبني عدي ، وهو الحطيم . ثم إن الناس هابوا هدمها ، فقال الوليد بني المغيرة : أنا أبدؤكم في هدمها ، فأخذ المعول ، ثم قام عليها ، وهو يقول : اللهم لا ترع -أو : لم نزغ- اللهم إنا لا نريد إلا الخير . ثم هدم من ناحية الركنين . فترتبص الناس تلك الليلة ، وقالوا : إن أصيب ، لم نهدم منها شيئاً ، ورددناها كما كانت ، وإلا فقد رضي الله ما صنعنا ، فأصبح الوليد من ليلته غادياً على عمله ، فهدم وهدم الناس معه. حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس -أساس إبراهيم عليه السلام- أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنة ، آخذ بعضها بعضاً ، فأدخل بعضهم عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما . فلما تحرك الحجر : انتفضت مكة بأسرها ، فانتهوا عند ذلك الأساس . ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها ، كل قبيلة تجمع على حدة . ثم بنوها ، حتى بلغ البنيان موضع الحجر الأسود . فاختصموا فيه ، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه ، حتى تحاوروا وتحالفوا ، وأعدوا للقتال ، فقربت بنو عبد الدار جفنة ، مملوءة دماً . تعاهدوا -هم وبنو عدي بن كعب- على الموت ، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم . فسموا لعقة الدم ، فمكثت قريش على ذلك أربع ليال ، أو خمساً . ثم إنهم اجتمعوا في المسجد ، فتشاوروا وتناصفوا . فزعم بعض أهل الرواية : أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي -وكان يومئذ أسن قريش كلهم- قال : اجعلوا بينكم أول من يدخل من باب المسجد . ففعلوا ، فكان أول من دخل : رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما رأوه ، قالوا :هذا الأمين ، رضينا به ، هذا محمد ، فلما انتهى إليهم أخبروه الخبر. فقال صلى الله عليه وسلم : هلم إلي ثوباً ، فأتي به . فأخذ الركن فوضعه فيه بيده . ثم قال : لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ، ثم ارفعوا جميعاً ففعلوا، حتى إذا بلغوا به موضعه : وضعه هو بيده صلى الله عليه وسلم ، ثم بنى عليه . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معهم الحجارة . وكانوا يرفعون أزرههم على عواتقهم . ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبط به -أي طاح على وجهه- ونودي : استر عورتك، فما رؤيت له عورة بعد ذلك . فلما بلغوا خمسة عشر ذراعاً سقفوه على ستة أعمدة . وكان البيت يكسى القباطي . ثم كسي البرود . وأول من كساه الديباج : الحجاج بن يوسف . وأخرجت قريش الحجر لقلة نفقتهم ، ورفعوا بابها عن الأرض ، لئلا يدخلها إلا من أرادوا . وكانوا إذا أرادوا أن لا يدخلها أحد لا يريدون دخوله : تركوه حتى يبلغ الباب ، ثم يرمونه . فلما بلغ صلى الله عليه وسلم أربع ين سنة : بعثه الله بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه سراجاً منيراً . | |
![]() | ونذكر قبل ذلك شيئاً من أمور الجاهلية ، وما كانت عليه قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال قتادة : ذكر لنا : أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون . كلهم على الهدى ، وعلى شريعة من الحق ، ثم اختلفوا بعد ذلك . فبعث الله نوحاً عليه السلام . وكان أول رسول إلى أهل الأرض . قال ابن عباس : في قوله تعالى : كان الناس أمة واحدة ، قال : على الإسلام كلهم . وكان أول ما كاد به الشيطان : هو تعظيم الصالحين . وذكر الله ذلك في كتابه في قوله |
: وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا . قال ابن عباس : كان هؤلاء قوماً صالحين . فلما ماتوا في شهر ، جزع عليهم أقاربهم . فصوروا صورهم . وفي غير حديثه : قال أصحابهم : لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة، قال : فكان الرجل يأتي أخاه وابن عمه فيعظمه ، حتى ذهب ذلك القرن ، ثم جاء قرن آخر ، فعظموهم أشد من الأول ، ثم جاء القرن الثالث ، فقالوا : ما عظم أولونا هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله ، فعبدوهم ، فلما بعث الله إليهم نوحاً -وغرق من غرق- أهبط الماء هذه الأصنام من أرض إلى أرض ، حتى قذفها إلى أرض جدة . فلما نضب الماء بقيت على الشط ، فسفت الريح عليها التراب ، حتى وارتها . | |
وكان عمرو بن لحي سيد خزاعة كاهناً وله رئي من الجن فأتاه ، فقال : عجل السير والظعن من تهامة ، بالسعد والسلامة ، ائت جدة ، تجد أصناماً معدة ، فأوردها تهامة ولا تهب ، وادع العرب إلى عبادتها تجب، فأتى جدة فاستشارها ، ثم حملها حتى أوردها تهامة . وحضر الحج ، فدعا العرب إلى عبادتها . فأجابه عوف بن عذرة ، فدفع إليه وداً فحمله . فكان بوادي القرى بدومة الجندل . وسمى ابنه : عبد ود ، فهو أول من سمى به . | |
فلم يزل بنوه يسدنونه ، حتى جاء الإسلام . فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد لهدمه ، فحالت بينه وبينه بنو عذرة ، وبنو عامر ، فقاتلهم فقتلهم ، ثم هدمه وجعله جذاذاً . وأجابت عمرو بن لحي مضر بن نزار ، فدفع إلى رجل من هذيل سواعاً ، فكان بأرض يقال لها : وهاط ، من بطن نخلة ، يعبده من يليه من مضر . وفي ذلك قيل : تراهم حول قبلتهم عكوفاً كما عكفت هذيل على سواع وأجابته مذحج . فدفع إلى نعيم بن عمر المرادي يغوث ، وكان بأكمة باليمن تعبده مذحج ومن والاها . وأجابته همدان فدفع إليهم يعوق ، فكان بقرية يقال لها خيوان تعبده همدان ومن والاها من اليمن . وأجابته حمير ، فدفع إليهم نسراً ، فكان بموضع بسبأ، تعبده حمير ومن والاها . فلم تزل هذه الأصنام تعبد حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم فكسرها . وفي الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجز قصبه في النار . فكان أول من سيب السوائب ، وفي لفظ : غير دين إبراهيم ، وفي لفظ عن أبي إسحاق : فكان أول من غير دين إبراهيم ، ونصب الأوثان . وكان أهل الجاهلية على ذلك ، فيهم بقايا من دين إبراهيم ، مثل تعظيم البيت ، والطواف به ، والحج والعمرة ، والوقوف بعرفة ومزدلفة ، وإهداء البدن. وكانت نزار تقول في إهلالها : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك ، إلا شريكاً هو لك ، تملكه وما ملك ، فأنزل الله : ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون . | |
![]() | ومن أقدم أصنامهم : مناة ، وكان منصوباً على ساحل البحر من ناحية المشلل ، بقديد بين مكة والمدينة . وكانت العرب تعظمه قاطبة ، ولم يكن أحد أشد تعظيماً له من الأوس والخزرج ، وبسبب ذلك أنزل الله تعالى : إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه عنه فدهمها عام الفتح . |
صنم اللات
ثم اتخذوا اللات في الطائف ، قيل : إن أصل ذلك رجل كان يلت السويق للحاج ، فمات . فعكفوا على قبره . وكانت صخرة مربعة ، وكان سدنتها ثقيف ، وكانوا قد بنوا عليها بيتاً ، فكان جميع العرب يعظمونها ، وكانت العرب تسمى زيد اللات ، وتيم اللات، وهي في موضع منارة مسجد الطائف . فلما أسلمت ثقيف ، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المغيرة بن شعبة فهدمها ، وحرقها بالنار . |
![]() | ثم اتخذوا العزى ، وهي أحدث من اللات ، وكانت بوادي نخلة ، فوق ذات عرق ، وبنوا عليها بيتاً ، وكانوا يسمعون منها الصوت ، وكانت قريش تعظمها . فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، بعث خالد بن الوليد فأتاها فعضدها، وكانت ثلاث سمرات، فلما عضد الثالثة : فإذا هو بحبشية نافشة شعرها ، واضعة يدها على عاتقها ، تضرب بأنيابها ، وخلفها سادنها ، فقال خالد : يا عز كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك ثم ضربها ففلق رأسها ، فإذا هي حممة ، ثم قتل السادن . |
![]() | وكانت لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها. وأعظمها : هبل ، وكان من عقيق أحمر على صورة الإنسان ، وكانوا إذا اختصموا، أو أرادوا سفراً : أتوه ، فاستقسموا بالقداح عنده . وهو الذي قال فيه أبو سفيان يوم أحد : اعل هبل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قولوا : الله أعلى وأجل . وكان لهم إساف ونائلة ، قيل أصلهما : أن إسافاً رجل من جرهم ، ونائلة امرأة منهم ، فدخلا البيت ، ففجر بها فيه . فمسخهما الله فيه حجرين ، فأخرجوهما فوضعوهما ليتعظ بهما الناس ، فلما طال الأمد وعبدت الأصنام : عبدا . |
أنواع الوحي
| ولما دعا إلى الله : استجاب له عباد الله من كل قبيلة ، فكان حائز السبق : صديق الأمة أبا بكر رضي الله عنه ، فوازره في دين الله ، ودعا معه إلى الله ، فاستجاب لأبي بكر عثمان وطلحة وسعد رضي الله عنهم . وبادر إلى استجابته أيضاً صديقة النساء خديجة رضي الله عنها . وبادر إلى الإسلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وكان ابن ثمان سنين ، وقيل : أكثر ، إذ كان في كفالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أخذه من عمه . | ||||
وبادر زيد بن حارثة رضي الله عنه ، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان غلاماً لخديجة ، فوهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوجها ، وقدم أبوه حارثة وعمه في فدائه . فقالا للنبي صلى الله عليه وسلم : يا ابن سيد قومه ، أنتم أهل حرم الله وجيرانه ، تفكون العاني ، وتطعمون الأسير ، جئناك في ابننا عبدك ، فأحسن لنا في فدائه . فقال صلى الله عليه وسلم . فهلا غير ذلك ؟ قالوا : وما هو ؟ قال : أدعوه فأخيره ، فإن اختاركم فهو | |||||
لكم ، وإن اختارني . فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني . قالوا : قد زدتنا على النصف ، وأحسنت . فدعاه . فقال : هل تعرف هؤلاء ؟ قال : نعم ، أبي وعمي . قال : فأنا من قد علمت . وقد رأيت صحبتي لك ، فاخترني ، أو اخترهما. فقال : ما أنا بالذي أختار عليك أحداً، أنت مني مكان أبي وعمى . فقالا : ويحك يا زيد ! أتختار العبودية على الحرية ، وعلى أبيك وعمك ، وأهل بيتك ؟ قال : نعم ، قد رأيت من هذا الرجل شيئاً ، ما أنا بالذي أختار عليه أحداً أبداً . فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، خرج إلى الحجر ، فقال : أشهدكم أن زيداً ابني ، أرثه ويرثني، فلما رأى ذلك أب وه وعمه طابت نفوسهما ، فانصرفا . ودعي : زيد بن محمد ، حتى جاء الله بالإسلام فنزلت : ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله . قال الزهري : ما علمنا أحداً أسلم قبل زيد . وأسلم ورقة بن نوفل . وفي جامع الترمذي : أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه في المنام في هيئة حسنة . ودخل الناس في دين الله واحداً بعد واحد . وقريش لا تنكر ذلك ، حتى بادأهم بعيب دينهم وسب آلهتهم ، وأنها لا تضر ولا تنفع . فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة . فحمى الله رسوله صلى الله عليه وسلم بعمه أبي طالب . لأنه كان شريفاً معظماً ، وكان من حكمة أحكم الحاكمين : بقاؤه على دين قومه ، لما في ذلك من المصالح التي تبدو لمن تأملها . وأما أصحابه : فمن كان له عشيرة تحميه امتنع بعشيرته ، وسائرهم تصدوا له بالأذى والعذاب . منهم : عمار بن ياسر ، وأمه سمية ، وأهل بيته ، عذبوا في الله . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر بهم -وهم يعذبون- يقول :صبرا يا آل ياسر ! فإن موعدكم الجنة . سمية أول شهيدة :
| |||||
وقال الزهري : لما ظهر الإسلام ، أتى جماعة من كفار قريش إلى من آمن من عشائرهم ، فعذبوهم وسجنوهم ، وأرادوا أن يفتنوهم عن دينهم . قال الواقدي : حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رومان وغيرهم . قالوا : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث سنين مستخفياً . ثم أعلن في الرابعة ، فدعا الناس عشر سنين ، يوافي المواسم كل عام ، يتبع الناس في منازلهم . وفي المواسم بعكاظ ، ومجنة ، وذي المجاز يدعوهم أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ، ولهم الجنة . فلا يجد أحداً ينصره ويحميه . حتى ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة ، فيقول : يا أيها الناس ! قولوا : لا إله إلا الله تفلحوا وتملكوا بها العرب ، وتدين لكم بها العجم . فإذا متم كنتم ملوكاً في الجنة ، وأبو لهب وراءه يقول : لا تطيعوه ، فإنه صابىء كذاب . فيردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبح الرد . ويؤذونه ، ويقولون : عشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك . وهو يقول : اللهم لو شئت لم يكونوا هكذا . ولما نزل عليه قوله تعالى : وأنذر عشيرتك الأقربين صعد الصفا فنادى : واصباحاه ، فلما اجتمعوا إليه قال : لو أخبرتكم أن خيل اً تريد أن تخرج عليكم من سفح هذا الجبل ، أكنتم مصدقي ، قالوا : نعم ، ما جربنا عليك كذباً . قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب : تباً لك ، ما جمعتنا إلا لهذا ؟ فأنزل الله قوله تعالى : تبت يدا أبي لهب وتب * ما أغنى عنه ماله وما كسب . قال ابن القيم رحمه الله : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله مستخفياً ثلاث سنين ، ثم نزل عليه : فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين .
وفي السنة الخامسة : أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى الحبشة لما اشتد عليهم العذاب والأذى ، وقال : إن فيها رجلاً لا يظلم الناس عنده. وكانت الحبشة متجر قريش ، وكان أهل هذه الهجرة الأولى : اثني عشر رجلاً وأربع نسوة . وكان أول من هاجر إليها : عثمان بن عفان رضي الله عنه ، ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وستر قوم إسلامهم . وممن خرج : الزبير وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وأبو سلمة وامرأته رضي الله عنهم . | |||||||
خرجوا متسللين سراً ، فوفق الله لهم ساعة وصولهم إلى الساحل سفينتين للتجار ، فحملوهم إلى الحبشة ، وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر ، فلم يدركوا منهم أحداً . وكان خروجهم في رجب . فأقاموا بالحبشة شعبان ورمضان ، ثم رجعوا إلى مكة في شوال ، لما بلغهم : أن قريشاً صافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفوا عنه . وكان سبب ذلك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم ، فلما بلغ : أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى ألقى الشيطان على لسانه : تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى، فقال المشركون : ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم . ولقد علمنا أن الله يخلق ويرزق ويحيي ويميت ولكن آلهتنا تشفع عنده . فلما بلغ السجدة سجد ، وسجد معه المسلمون والمشركون كلهم ، إلا شيخاً من قريش ، رفع إلى جبهته كفاً من حصى فسجد عليه ، وقال : يكفيني هذا ، فحزن النبي صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً ، وخاف من الله خوفاً عظيماً ، فأنزل الله : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته الآيات . ولما استمر النبي صلى الله عليه وسلم على سب آلهتهم ، عادوا إلى شر مما كانوا عليه ، وازدادوا شدة على من أسلم . استهزاء المشركين :
| |||||||
الهجرة الثانية إلى الحبشة :
فلما قرب مهاجرة الحبشة من مكة ، وبلغهم أمرهم ، توقفوا عن الدخول . ثم دخل كل رجل في جوار رجل من قريش . ثم اشتد عليهم البلاء والعذاب من قريش وسطت بهم عشائرهم ، وصعب عليهم ما بلغهم عن النجاشي من حسن جواره ، فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى الحبشة مرة ثانية ، فخرجوا . وكان عدة من خرج في المرة الثانية : ثلاثة وثمانين رجلاً -إن كان فيهم عمار بن ياسر- ومن النساء تسع عشرة امرأة . فلما سمعوا بمهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة : رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلاً ، ومن النساء ثمان . ومات منهم رجلان بمكة ، وحبس سبعة ، وشهد بدراً منهم أربعة وعشرون رجلاً |
بعث قريش إلى النجاشي تطلب إرجاع المسلمين :
ولما كان بعد بدر : اجتمعت قريش في دار الندوة . وقالوا : إن لنا في الذين عند النجاشي ثأراً ، فاجمعوا مالاً ، وأهدوه إلى النجاشي ، لعله يدفع إليكم من عنده ولننتدب لذلك رجلين من أهل رأيكم . فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد مع الهدية ، فركبا البحر ، فلما دخلا على النجاشي سجدا له وسلما عليه . وقالا : قومنا لك | |
ناصحون . وإنهم بعثونا إليك لنحذرك هؤلاء الذين قدموا عليك لأنهم قوم اتبعوا رجلاً كذاباً ، خرج فينا يزعم أنه رسول الله ، ولم يتبعه إلا السفهاء فضيقنا عليهم ، وألجأناهم إلى شعب بأرضنا ، لا يخرج منهم أحد ولا يدخل عليهم أحد فقتلهم الجوع والعطش ، فلما اشتد عليهم الأمر ، بعث إليك ابن عمه ليفسد عليك دينك وملكك ، فاحذرهم ، وادفعهم إلينا لنكفيكهم ، وآية ذلك : أنهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك ، ولا يحيونك بالتحية التي تحيى بها ، رغبة عن دينك . فدعاهم النجاشي ، فلما حضروا ، صاح جعفر بن أبي طالب بالباب : يستأذن عليك حزب الله، فقال النجاشي : مروا هذا الصائح فليعد كلامه ، ففعل . قال : نعم . فليدخلوا بإذن الله وذمته . فدخلوا ولم يسجدوا له ، فقال : ما منعكم أن تسجدوا لي ؟ قالوا : إنما نسجد لله الذي خلقك وملكك ، وإنما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان ، فبعث الله فينا نبياً صادقاً ، وأمرنا بالتحية التي رضيها الله ، وهي السلام ، تحية أهل الجنة . فعرف النجاشي أن ذلك حق ، وأنه في التوراة والإنجيل . فقال : أيكم الهاتف يستأذن ؟ فقال جعفر : أنا ، قال : فتكلم . فقال : إنك ملك لا يصلح عندك كثرة الكلام ولا الظلم . وأنا أحب أن أجيب عن أصحابي . فأمر هذين الرجلين فليتكلم أحدهما ، فتسمع محاورتنا . فقال عمرو لجعفر : تكلم . فقال جعفر للنجاشي : سله ، أعبيد نحن أم أحرار ؟ فإن كنا عبيداً أبقنا من أربابنا فارددنا إليهم . فقال عمرو : بل أحرار كرام . فقال : هل أهرقنا دماً بغير حق فيقتص منا ؟ قال عمرو : ولا قطرة . فقال : هل أخذنا أموال الناس بغير حق ، فعلينا قضاؤها ؟ فقال عمرو : ولا قيراط . فقال النجاشي : فما تطلبون منهم ؟ قال : كنا نحن وهم على أمر واحد ، على دين آبائنا ، فتركوا ذلك واتبعوا غيره . فقال النجاشي : ما هذا الذي كنتم عليه ، وما الذي اتبعتموه ؟ قل واصدقني . فقال جعفر : أما الذي كنا عليه فتركناه ، وهو دين الشيطان ، كنا نكفر بالله ، ونعبد الحجارة . وأما الذي تحولنا إليه : فدين الله الإسلام ، جاءنا به من الله رسول وكتاب مثل كتاب ابن مريم موافقاً له . فقال : تكلمت بأمر عظيم ، فعلى رسلك . ثم أمر بضرب الناقوس ، فاجتمع إليه كل قسيس وراهب ، فقال لهم : أنشدكم الله الذي أنزل الإنجيل على عيسى ، هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبياً ؟ قالوا : اللهم نعم ، قد بشرنا به عيسى ، وقال : من آمن به فقد آمن بي ، ومن كفر به فقد كفر بي . فقال النجاشي لجعفر رضي الله عنه : ماذا يقول لكم هذا الرجل ؟ وما يأمركم به ؟ وما ينهاكم عنه ؟ فقال : يقرأ علينا كتاب الله ، ويأمرنا بالمعروف ، وينهانا عن المنكر ، ويأمرنا بحسن الجوار ، وصلة الرحم ، وبر اليتيم ، ويأمرنا بأن نعبد الله وحده لا شريك له . فقال : اقرأ مما يقرأ عليكم . فقرأ سورتي العنكبوت والروم . ففاضت عينا النجاشي من الدمع ، وقال: زدنا من هذا الحديث الطيب، فقرأ عليهم سورة الكهف . فأراد عمرو أن يغضب النجاشي ، فقال : إنهم يشتمون عيسى وأمه . فقال : ما تقولون في عيسى وأمه ؟ فقرأ عليهم سورة مريم ، فلما أتى على ذكر عيسى وأمه رفع النجاشي بقشة من سواكه قدر ما يقذي العين . فقال : والله ما زاد المسيح على ما تقولون نقيراً . وفيه نزل قول الله تعالى : وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين * وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق الآيات . فأقبل النجاشي على جعفر ، ثم قال . اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي -والسيوم الآمنون- من سبكم غرم ، فلا هوادة اليوم على حزب إبراهيم . | |
مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم :
![]() | قال ابن إسحاق : حدثت عن أسامة ، قال : لما ثقل برسول الله صلى الله عليه وسلم ، هبطت وهبط الناس معي إلى المدينة ، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أصمت ، فلا يتكلم . وجعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها علي ، أعرف أنه يدعو لي . قال ابن إسحاق : وحدث عن أبي مويهبة ! مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل ، فقال : يا أبا مويهبة ! قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع ، فانطلق معي . فانطلقت معه ، فلما وقف عليهم ، قال : السلام عليكم |
يا أهل المقابر ! ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه . أقبلت الفتن مثل قطع الليل المظلم ، يتبع آخرها أولها ، الآخرة شر من الأولى . ثم أقبل علي ، فقال : إني قد أعطيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها [ ثم الجنة]، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة . فقلت : بأبي أنت وأمي ، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ، ثم الجنة قال : لا والله ، يا أبا مويهبة! قد اخترت لقاء ربي والجنة . ثم استغفر لأهل البقيع ، ثم انصرف. فبدأ به وجعه ، فلما استعز به ، دعا نساءه فاستأذنهن : أن يمر ض في بيت عائشة رضي الله عنها ، فأذن له . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إن الله خير عبداً بين الدنيا وبين ما عنده ، فاختار ذلك العبد ما عند الله، فبكى أبو بكر ، فتعجبنا لبكائه : أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خير ! فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير . وكان أبو بكر أعلمنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من أمن الناس علي في صحبته وماله : أبو بكر ، ولو كنت متخذاً خليلاً -غير ربي- لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام ومودته . لا يبقين في المسجد باب إلا سد ، إلا باب أبي بكر . وفي الصحيح : أن ابن عباس وأبا بكر مرا بمجلس للأنصار ، وهم يبكون. فقالا: ما يبكيكم ؟ قالوا : ذكرنا مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم منا ، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك ، فخرج ، وقد عصب على رأسه بحاشية برد . فصعد المنبر -ولم يصعده بعد ذلك اليوم- فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أوصيكم بالأنصار خيراً ، فإنهم كرشي وعيبتي وقد قضوا الذي عليهم ، وبقي الذي لهم . فاقبلوا من محسنهم ، وتجاوزوا عن مسيئهم ، وفي الصحيح عن أبي موسى الأشعري قال : اشتد مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : مروا أبا بكر ، فليصل بالناس. قالت عائشة : يا رسول الله ! إنه رجل رقيق ، إذا قام مقامك لا يسمع الناس ، فلو أمرت عمر ؟ قال : مروا أبا بكر فليصل بالناس ، فعادت . فقال : مروا أبا بكر فليصل بالناس ، فإنكن صواحب يوسف ، فأتاه الرسول . فصلى بالناس في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت : ووالله ما أقول إلا أني أحب أن يصرف ذلك عن أبي بكر ، وعرفت أن الناس لا يحبون رجلاً قام مقامه أبداً ، وأن الناس سيتشاءمون به في كل حدث كان . فكنت أحب أن يصرف ذلك عن أبي بكر . | |
إسلام حمزة بن عبد المطلب :
![]() | وفي السنة السادسة : أسلم حمزة بن عبد المطلب وعمر . قال ابن إسحاق : مر أبو جهل برسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفا ، فآذاه ونال منه . ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت . فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل المسجد ، وكانت مولاة لعبد الله بن جدعان في مسكن لها على الصفا ، تسمع ما يقول أبو جهل . |
وأقبل حمزة من القنص متوشحاً قوسه -وكان يسمى أعز قريش- فأخبرته مولاة ابن جدعان بما سمعت من أبي جهل ، فغضب . ودخل المسجد -وأبو جهل جالس في نادي قومه- فقال له حمزة : يا مصفر استه ! تشتم ابن أخي وأنا على دينه ؟ ثم ضربه بالقوس فشجه شجة موضحة ، فثار رجل من بني مخزوم ، وثار بنو هاشم ، فقال أبو جهل : دعوا أبا عمارة ، فإني سببت ابن أخيه سباً قبيحاً . فعلمت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عز فكفوا عنه بعدما كانوا ينالون منه . | |
موت النجاشي :
![]() | ولما مات النجاشي ، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى عليه كما يصلي على الجنائز . فقال المنافقون : يصلي على علج مات بأرض الحبشة ، فأنزل الله تعالى : وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله الآية . وقيل : إن إرسال قريش في طلبهم كان قبل الهجرة إلى المدينة ، وفي سنة خمس من النبوة استتر رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم ابن أبي الأرقم . |
حماية أبي طالب لرسول الله :
![]() | ولما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزايد أمره ويقوى ، ورأوا ما صنع أبو طالب به. مشوا إليه بعمارة بن الوليد، فقالوا : يا أبا طالب ، هذا أنهد فتى في قريش وأجمله ، فخذه وادفع إلينا هذا الذي خالف دينك ودين آبائك فنقتله ، فإنما هو رجل برجل . فقال : بئسما تسومونني ، تعطوني ابنكم أربيه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه ؟ فقال المطعم بن عدي بن نوفل : يا أبا طالب ! قد أنصفك قومك ، وجهدوا على التخلص منك بكل طريق . | ||||||||
قال : والله ما أنصفتموني ، ولكن أجمعت على خذلاني، فاصنع ما بدا لك . وقال أشراف مكة لأبي طالب : إما أن تخلي بيننا وبينه فنكفيكه ، فإنك على مثل ما نحن عليه ، أو أجمع لحربنا ، فإنا لسنا بتاركي ابن أخيك على هذا ، حتى نهلكه أو يكف عنا . فقد طلبنا التخلص من حربك بكل ما نظن أنه يخلص . فبعث أبو طالب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له : يا ابن أخي ! إن قومك جاؤوني وقالوا : كذا وكذا ، فأبق علي وعلى نفسك ، ولا تحملني ما لا أطيق أنا ولا أنت ، فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك . فقال صلى الله عليه وسلم : والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ، ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله ، أو أهلك في طلبه، فقال: امض على أمرك، فوالله لا أسلمك أبداً . ودعا أبو طالب أقاربه إلى نصرته فأجابه بنو هاشم وبنو المطلب غير أبي لهب ، وقال أبو طالب : والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وابشر وقر بذاك منك عيونا ودعوتني وعرفت أنك ناصحي ولقد صدقت وكنت ثم أمينا وعرضت ديناً قد عرفت بأنه من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا إسلام عمر رضي الله عنه :
| |||||||||
حصار بني هاشم في الشعب :
![]() | ولما اجتمعوا - مؤمنهم وكافرهم - على منع رسول الله صلى الله عليه وسلم : اجتمعت قريش ، فأجمعوا أمرهم على أن لا يجالسوهم ، ولا يبايعوهم ، ولا يدخلوا بيوتهم ، حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل . وكتبوا بذلك صحيفة فيها عهود ومواثيق : أن لا يقبلوا من بني هاشم صلحاً أبداً ، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل، فأمرهم أبو طالب أن يدخلوا شعبه فلبثوا فيه ثلاث سنين . |
واشتد عليهم البلاء ، وقطعوا عنهم الأسواق ، فلا يتركون طعاماً يدخل مكة ، ولا بيعاً إلا بادروا فاشتروه ، ومنعوه أن يصل شئ منه إلى بني هاشم ، حتى كان يسمع أصوات نسائهم يتضاغون من وراء الشعب من الجوع . واشتدوا على من أسلم ممن لم يدخل الشعب ، فأوثقوهم ، وعظمت الفتنة وزلزلوا زلزالاً شديداً ، وكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم . أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضطجع على فراشه ، حتى يرى ذلك من أراد اغتياله ، فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو إخوانه أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمره أن يأتي أحد فرشهم . في ذلك عمل أبو طالب قصيدته اللامية المشهورة التي قال فيها : ولما رأ يت القوم لا ود فيهمو وقد قطعوا كل العرى والوسائل وقد صارحونا بالعداوة والأذى وقد طاوعوا أمر العدو المزايـل صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة وأبيض عضب من تراث المقاول وأحضرت عند البيت رهطي وأسرتي وأمسكت من أثوابه بالوصائل أعوذ برب الناس من كل طاعن علينا بسوء أو ملح بباطل ومـن كاشح يسعى لنا بمغيظة ومن ملحق في الدين ما لم نحاول وثور ومن أرسى ثبيراً مكانه وراق ليرقى فـي حراء ونازل وبالبيت-حق البيت-من بطن مكة وبالله إن الله ليس بغافل وبالحجر المسود إذ يمسحونه إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل وموطىء إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافياً غير ناعل وأشواط بين المروتين إلى الصفا وما فيهما من صورة وتماثل ومن حج بيت الله مـن كل راكب ومن كل ذي نذر ومن كل راجل وليلة جمع والمنازل من منى وهل فوقها من حرمة ومنازل؟ فهل بعد هـذا من معاذ لعائذ وهل من معيذ يتقي الله عاذل؟ كذبتم وبيت الله نترك مكة ونظعن إلا أمركم في بلابل كذبتم وب يت الله نبزى محمداً ولما نطاعن دونه ونناضل؟ ونسلمه حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل وينهض قوم في الحديد إليكمو نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل * * * وإنا لعمر الله إن جد ما أرى لتلتبسن أسيافنا بالأماثل بكفي فتى مثل الشهاب سميدع أخي ثقة حامي الحقيقة باسـل وما ترك قـوم-لا أبا لك-سيداً يحوط الذمار غير ذرب مواكل وأبيض يستسقى الغمائم بوجهه ربيع اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في رحمة وفواضل * * * فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح حسود كذوب مبغض ذي دغائل ومر أبو سفيان عني معرضاً كما مر قيل من عظام المقاول يفر إلى نجد وبرد مياهه ويزعم أني لست عنك بغافل أمطعم لم أخذلك في يوم نجدة ولا معظم عند الأمور الجلائل أمطعم . إن القوم ساموك خطة وإني متى أوكل فلست بآكلي جزى الله عنا عبد شمس ونوفلاً عقوبة شر عاجلاً غير آجل فعبد مناف أنتمو خير قومكم فلا تشركوا في أمركم كل واغل وكنتم حديثاً حطـــب قدر فأنتمو الآن حطاب أقدر ومراجل فكل صديق وابن أخت نعده لعمري وجدنا غبه غير طائل سوى أن رهطاً من كلاب بن مرة براء إلينا من معقة خاذل * * * ونعم ابن أخت القوم غير مكذب زهير حساماً مفرداً من حمائـل لعمري لقد كلفت وجداً بأحمد وإخوته دأب المحب المواصل فمن مثله في الناس أي مؤمل إذا قاسه الحكام عند التفاضل؟ حليم رشيد عادل غير طائش يوالي إلهاً ليس عنه بغافل والله لولا أن أجيء بسبة تجر على أشياخنا في المحافل لكنا اتبعناه على كل حالة من الدهر جداً غير قول التهازل لقد علموا أن ابننا لا مكذب لدينا ولا يعنى بقـول الأباطـل حدبت بنفسي دونه وحميته ودافعت عنه بالذرى والكلاكل | |
سؤالهم عن الروح وأهل الكهف :
وكانوا يرسلون إلى أهل الكتاب يسألونهم عن أمره ؟ قال ابن إسحاق عن ابن عباس : بعثت قريش النضر بن الحارث ، وعقبة بن أبي معيط ، إلى أحبار اليهود بالمدينة ، فقالوا لهما: سلاهم عن محمد ، وصفا لهم صفته ، فإنهم أهل الكتاب . وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء . فخرجا حتى قدما المدينة ، فسألاهم عنه ؟ ووصفا لهم أمره . فقالت لهم أحبار اليهود : سلوه عن ثلاث ، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل ، وإلا فهو رجل متقول : سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول : ما كان أمرهم ؟ فإنه قد كان لهم حديث عجيب | |||||
وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، فما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الروح ما هي ؟ فأقبلا حتى قدما مكة ، فقالوا : قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد . قد أخبرنا أحبار يهود : أن نسأله عن أشياء أمرونا بها . فجاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألوه عما أخبرهم أحبار يهود ، فجاءه جبريل بسورة الكهف فيها خبر ما سألوه عنه ، من أمر الفتية ، والرجل الطواف ، وجاءه بقوله : ويسألونك عن الروح الآية . قال ابن إسحاق : فافتتح السورة بحمده وذكر نبوة رسوله لما أنكروا عليه من ذلك ، فقال : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ، يعني : أنك رسول مني ، أي تحقيق ما سألوا عنه ، من نبوتك ولم يجعل له عوجا ، أي : أنزله معتدلاً . لا خلاف فيه -وذكر تفسير السورة- أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ، أي : ما رأوا من قدرتي في أمر الخلائق ، وفيما وضعت على العباد من حججي ما هو أعظم من ذلك وأعجب . وعن ابن عباس : الذي آتيتك من الكتاب والسنة أعظم من شأن أصحاب الكهف . قال ابن عباس : والأمر على ما ذكروا ، فإن مكثهم نياماً ثلاثمائة سنة : آية دالة على قدرة الله ومشيئته ، وهي أية دالة على معاد الأبدان ، كما قال تعالى : وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها ، وكان الناس قد تنازعوا في زمانهم ، هل تعاد الأرواح وحدها ؟ أم الأرواح والأبدان ؟ فجعلهم الله آية دالة على معاد الأبدان ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقصتهم من غير أن يعلمه بشر ، آية دالة على نبوته . فكانت قصتهم آية دالة على الأصول الثلاثة : الإيمان بالله ، ورسوله ، واليوم الآخر ، ومع هذا : فمن آيات الله ما هو أعجب من ذلك . وقد ذكر الله سبحانه وتعالى سؤالهم عن هذه الآيات التي سألوه عنها ليعلموا : هل هو نبي صادق ، أو كاذب ؟ فقال : ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا ، وقوله : لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين إلى قوله : إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون . والقرآن مملوء من إخباره بالغيب الماضي ، الذي لا يعلمه أحد من البشر ، إلا من جهة الأنبياء ، لا من جهة الأولياء ، ولا من جهة غيرهم ، وقد عرفوا أنه صلى الله عليه وسلم لا يتعلم هذا من بشر ، ففيه آية وبرهان قاطع على صدقه ونبوته . موت خديجة وأبي طالب :
| |||||
انشقاق القمر :
فمن ذلك أنهم سألوه : أن يريهم آية ، فأراهم انشقاق القمر ، وأنزل قوله : اقتربت الساعة وانشق القمر الآيات ، إلى قوله : وكل أمر مستقر ، فقالوا : سحركم ، انظروا إلى السفار ، فإن كانوا رأوا مثل ما رأيتم فقد صدق فقدموا من كل وجه ، فقالوا: رأينا . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما طلب من الآيات -التي يقترحون- رغبة منه في إيمانهم ، فيجاب بأنها : لا تستلزم الهدى ، بل توجب عذاب الاستئصال لمن كذب بها .
قول الوليد بن المغيرة في القرآن :
سحر وعن ابن عباس قال : إن الوليد بن المغيرة ، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : اقرأ علي ، فقرأ عليه : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى الآية ، فقال : والله إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه ، وإنه ليحطم ما تحته ، وما يقول هذا بشر . وفي رواية : وبلغ ذلك أبا جهل ، فأتاه . فقال : يا عم ! إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً ، قال : ولم ؟ قال : أتيت محمداً لتعوض مما قبله . قال : قد علمت قريش أني من أكثرها مالاً ، قال : فقل فيه قولاً يبلغ قومك : أنك منكر له ، قال: ماذا أقول؟ فوالله ما فيكم أعلم بالأشعار مني الخ . وفي رواية أن الوليد بن المغيرة قال - | |||||
وقد حضر الموسم- : ستقدم عليكم وفود العرب من كل جانب ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم، فأجمعوا فيه رأياً ، ولا تختلفوا ، فيكذب بعضكم بعضاً . فقالوا . فأنت فقل ، فقال : بل قولوا وأنا أسمع ، قالوا : نقول : كاهن. قال : ما هو بزمزمة الكهان ، ولا سجعهم . قالوا نقول : مجنون ، قال : ما هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه، و لا وسوسته ولا تخالجه . قالوا : نقول : شاعر ، قال : ما هو بشاعر ، لقد عرفنا الشعر رجزه وهزجه ، وقريضه ، ومقبوضه ، ومبسوطه . قالوا : نقول : ساحر ، قال : ما هو بساحر ، لقد رأينا السحرة وسحرهم ، فما هو بعقدهم ولا نفثهم ، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : ما نقول من شئ من هذا إلا عرف أنه باطل ، وإن أقرب القول ، أن تقولوا : ساحر ، يفرق بين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وعشيرته . فتفرقوا عنه بذلك . فجعلوا يجلسون للناس ، لا يمر بهم أحد إلا حذروه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله في الوليد بن المغيرة : ذرني ومن خلقت وحيدا إلى قوله : سأصليه سقر . ونزل في النفر الذين كانوا معه يصنفون القول في رسول الله ، وفيما جاء به من عند الله : الذين جعلوا القرآن عضين ، أي : أصنافاً . وكانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم الآيات ، فمنها ما يأتيهم الله به ، لحكمة أرادها الله سبحانه . خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف :
| |||||
فصل في الهجرة :
![]() | قد ذكرنا : أنه صلى الله عليه وسلم كان يوافي الموسم كل عام ، يتبع الحاج في منازلهم ، وفي عكاظ وغيرهم ، يدعوهم إلى الله ، فلم يجبه أحد منهم ، ولم يؤوه . فكان مما صنع الله لرسوله : أن الأوس والخزرج كانوا يسمعون من حلفائهم يهود المدينة : أن نبياً يبعث في هذا الزمان ، فنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وكانت الأنصار تحج ، كغيرها من العرب ، دون اليهود . فلما رأى الأنصار رسول | ||||
الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الله ، وتأملوا أحواله ، قال بعضهم لبعض : تعلمون والله يا قوم أن هذا الذي توعدكم به اليهود ، فلا يسبقنكم إليه. وقدر الله بعد ذلك : أن اليهود يكفرون به ، فهو قوله تعالى : ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين الآية بعدها الإسراء والمعراج :
| |||||
إسلام سعد بن معاذ ، وأسيد بن حضير :
![]() | فقال سعد بن معاذ - سيد الأوس ، لأسيد بن حضير : اذهب إلى هذين اللذين قد أتيا ليسفها ضعفاءنا ، فازجرهما فإن أسعد بن زرارة ابن خالتي . ولولا ذلك لكفيتك ذلك . وكان سعد وأسيد سيدي قومهما . فأخذ أسيد حربته ، ثم أقبل إليهما. فلما رآه أسعد بن زرارة ، قال لمصعب : هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه . قال مصعب : إن يكلمني أكلمه . فوقف عليهما ، فقال : ما جاء بكما إلينا ؟ تسفهان ضعفاءنا ؟ اعتزلا ، إن كان لكما في أنفسهما حاجة . |
فقال له مصعب : أو تجلس فتسمع . فإن رضيت أمراً قبلته . وإن كرهته كف عنك ما تكره . فقال : أنصفت. ثم ركز حربته وجلس . فكلمه مصعب بالإسلام ، وتلا عليه القرآن . قال : فوالله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم ، في إشراقه وتهلله . ثم قال : ما أحسن هذا وما أجمله ! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين ؟ قالا له : تغتسل وتطهر ثوبك ، ثم تشهد شهادة الحق ، ثم تصلي ركعتين . فقام واغتسل ، وطهر ثوبه ، وتشهد وصلى ركعتين ، ثم قال : إن ورائي رجلاً إن تبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه . وسأرشده إليكما الآن -سعد بن معاذ- ثم أخذ حربته ، وانصرف إلى سع د في قومه ، وهم جلوس في ناديهم . فقال سعد : أحلف بالله ، جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم . فلما وقف على النادي ، قال له سعد : ما فعلت ؟ فقال : كلمت الرجلين ، فوالله ما رأيت بهما بأساً ، وقد نهيتهما ، فقالا : نفعل ما أحببت . وقد حدثت : أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه -وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك- ليخفروك . فقام سعد مغضباً ، للذي ذكر له . فأخذ حربته ، فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيداً إنما أراد أن يسمع منهما ، فوقف عليهما متشتماً . ثم قال لأسعد بن زرارة : والله يا أبا أمامة ! لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني ، أتغشانا في دارنا بما نكره ؟ . وقد كان أسعد قال لمصعب : جاءك والله سيد من ورائه قومه . إن يتبعك لم يتخلف عنك منهم أحد . فقال له مصعب : أو تقعد فتسمع ؟ فإن رضيت أمراً قبلته ، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره . قال : قد أنصفت ، ثم ركز حربته فجلس . فعرض عليه الإسلام ، وقرأ عليه القرآن ، قال : فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم ، في إشراقه وتهلله ، ثم قال: كيف تصنعون إذا أسلمتم ؟ قالا : تغتسل وتطهر ثوبك ثم تشهد شهادة الحق ، ثم تصلي ركعتين ، ففعل ذلك . ثم أخذ حربته ، فأقبل إلى نادي قومه ، فلما رأوه قالوا : نحلف بالله لقد رجع بغير الوجه الذي ذهب به . فقال : يا بني عبد الأشهل ، كيف أمري فيكم ؟ قالوا : سيدنا ، وابن سيدنا ، وأفضلنا رأياً ، وأيمننا نقيبة . قال : فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله. فما أمسى فيهم رجل ولا امرأة إلا أسلموا، إلا الأصيرم . فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد ، فأسلم وقاتل وقتل ، ولم يسجد لله سجدة . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : عمل قليلاً وأجر كثيراً . فأقام مصعب في منزل أسعد يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون ، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ، ووائل ، وواقف . وذلك : أنهم كان فيهم قيس بن الأسلت الشاعر ، وكانوا يسمعون منه ، فوقف بهم عن الإسلام ، حتى كان عام الخندق ، بعد أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما كان من العام المقبل ، وجاء موسم الحج ، قال من أسلم من الأنصار : حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يطرد في جبال مكة ويخاف ؟! فخرجوا مع مشركي قومهم حجاجاً . | |
بيعة العقبة الأولى :
![]() | فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم عند العقبة : ستة نفر من الأنصار كلهم من الخزرج ، منهم أسعد بن زرارة، وجابر بن عبد الله بن رئاب السلمي ، فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا ثم رجعوا إلى المدينة ، فدعوا إلى الإسلام ، فنشأ الإسلام فيها ، حتى لم تبق دار إلا دخلها . فلما كان العام المقبل : جاء منهم اثنا عشر رجلاً -الستة الأول ، خلا جابراً- ومعهم عبادة بن الصامت ، وأبو الهيثم بن التيهان ، وغيرهم . الجميع اثنا عشر رجلاً . وكان الستة الأولون قد قالوا له لما أسلموا | ||||||
إن بين قومنا من العداوة والشر ما بينهم ، وعسى الله أن يجمعهم بك . وسندعوهم إلى أمرك ، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك . وكان الأوس والخزرج أخوين لأم وأب ، وأصلهم من اليمن من سبأ، وأمهم قيلة بنت كاهل -امرأة من قضاعة- ويقال لهم لذلك : أبناء قيلة ، قال الشاعر : بهاليل من أولاد قيلة لم يجد عليهم خليط في مخالطة عتبا فوقعت بينهم العداوة بسبب قتيل ، فلبثت الحرب بينهم مائة وعشرين سنة إلى أن أطفاها الله بالإسلام . وألف بينهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك قوله : واذكروا نعمة الله عليكم إذ ك نتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا الآية . فلما جاءه الاثنا عشر رجلاً من العام الأتي -الذي ذكرنا- ومنهم اثنان من الأوس : أبو الهيثم ، وعويم بن ساعدة ، والباقي من الخزرج . فلما انصرفوا بعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير ، وأمره أن يقرئهم القرآن ، ويعلمهم الإسلام ، فنزل على أبي أمامة -أسعد بن زرارة- فخرج بمصعب -في إحدى خريجاته- فدخل به حائطاً من حيطان بني ظفر ، فجلسا فيه ، واجتمع إليهما رجال ممن أسلم الهجرة إلى المدينة :
| |||||||
قصة سراقة بن مالك :
![]() | فلما أيس المشركون منهما جعلوا لمن جاء فيهما دية كل واحد منهما ، لمن يأتي بهما أو بأحدهما ، فجد الناس في الطلب ، والله غالب على أمره . فلما مروا بحي مدلج مصعدين من قديد ، بصر بهم رجل فوقف على الحي ، فقال : لقد رأيت آنفاً أسودة ما أراها إلا محمداً وأصحابه . ففطن بالأمر سراقة بن مالك ، فأراد أن يكون الظفر له ، وقد سبق له من الظفر ما لم يكن في حسابه ، فقال: بل هما فلان وفلان، خرجا في طلب حاجة لهما . ثم مكث قليلاً ، ثم قام فدخل خباءه ، وقال لجاريته : اخرجي بالفرس من وراء الخباء وموعدك وراء الأكمة . ثم أخذ رمحه وخفض عاليه يخط به الأرض حتى ركب فرسه ، فلما قرب منهم ، وسمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر يكثر الالتفات ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلتفت- قال أبو بكر : يا رسول الله ! هذا سراقة بن مالك قد رهقنا . فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فساخت يدا فرسه في الأرض ، فقال : قد علمت أن الذي أصابني بدعائكما ، فادعوا الله لي ، ولكما أن أرد الناس عنكما |
فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخلصت يدا فرسه ، فانطلق . وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن يكتب له كتاباً ، فكتب له أبو بكر بأمره في أديم . وكان الكتاب معه إلى يوم فتح مكة ، فجاء به ، فوفى له رسول الله صلى الله عليه وسلم . فرجع ، فوجد الناس في الطلب ، فجعل يقول : قد استبرأت لكم الخبر ، وقد كفيتم ها هنا ، فكان أول النهار جاهداً عليهما ، وكان آخره حارساً لهما . | |
تآمر قريش بدار الندوة على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم :
![]() | فلما رأى المشركون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تجهزوا وخرجوا بأهليهم إلى المدينة ، عرفوا أن الدار دار منعة ، وأن القوم أهل حلقة وبأس . فخافوا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيشتد أمره عليهم | ||||
فاجتمعوا في دار الندوة ، وحضرهم إبليس في صورة شيخ من أهل نجد ، فتذاكروا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأشار كل منهم برأي ، والشيخ يرده ولا يرضاه ، إلى أن قال أبو جهل : قد فرق لي فيه برأي ، ما أراكم وقعتم عليه ، قالوا : ما هو ؟ قال : أرى أن نأخذ من كل قبيلة من قريش غلاماً جلداً ، ثم نعطيه سيفاً صارماً ، ثم يضربونه ضربة رجل واحد ، فيتفرق دمه في القبائل . فلا تدري بنو عبد مناف بعد ذلك ما تصنع ، ولا يمكنها معاداة القبائل كلها ، ونسوق ديته . فقال الشيخ : لله در هذا الفتى ، هذا والله الرأي ، فتفرقوا على ذلك . فجاء جبريل ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، وأمره أن لا ينام في مضجعه تلك الليلة . وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر نصف النهار -في ساعة لم يكن يأتيه فيها- متقنعاً ، فقال : أخرج من عندك، فقال : إ نما هم أهلك يا رسول الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله قد أذن لي في الخروج، فقال أبو بكر : الصحبة يا رسول الله قال : نعم، فقال أبو بكر : فخذ بأبي أنت وأم - إحدى راحلتي هاتين ، فقال : بالثمن . وأمر علياً أن يبيت تلك الليلة على فراشه . واجتمع أولئك النفر يتطلعون من صير الباب ، ويرصدونه يريدون بياته ، ويأتمرون : أيهم يكون أشقاها ؟ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم فأخذ حفنة من البطحاء فذرها على رؤوسهم ، وهو يتلو : وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ، وأنزل الله : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين . ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر ، فخرجا من خوخة في بيت أبي بكر ليلاً ، فجاء رجل ، فرأى القوم ببابه ، فقال : ما تنتظرون ؟ قالوا : محمداً . قال : خبتم وخسرتم ، قد والله مر بكم ، وذر على رؤوسكم التراب . قالوا : والله ما أبصرناه . وقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم . فلما أصبحوا قام علي رضي الله عنه عن الفراش ، فسألوه عن محمد ؟ فقال : لا علم لي به . ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى غار ثور ، فنسجت العنكبوت على بابه . وكانا قد استأجرا عبد الله بن أريقط الليثي ، وكان هادياً ماهراً -وكان على دين قومه- وأمناه على ذلك ، وسلما إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث . وجدت قريش في طلبهما ، وأخذوا معهم القافة ، حتى انتهوا إلى باب الغار ، فوقفوا عليه ، فقال أبو بكر : يا رسول الله ! لو أن أحدهم نظر إلى ما تحت قدميه لأبصرنا . فقال : ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ لا تحزن إن الله معنا . وكانا يسمعان كلامهم ، إلا أن الله عمى عليهم أمرهما . وعامر بن فهيرة يرعى غنماً لأبي بكر ، ويتسمع ما يقال عنهما بمكة، ثم يأتيهما بالخبر ليلاً ، فإذا كان السحر سرح مع الناس . قالت عائشة : فجهزناهما أحث الجهاز ، وصنعنا لهما سفرة في جراب ، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فأوكت به فم الجراب ، وقطعت الأخرى عصاماً للقربة ، فبذلك لقبت ذات النطاقين . ومكثا في الغار ثلاثاً ، حتى خمدت نار الطلب ، فجاءهما ابن أريقط بالراحلتين فارتحلا ، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة . دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة :
| |||||
قصة أم معبد :
![]() | ثم مروا بخيمة أم معبد الخزاعية : وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء الخيمة ثم تطعم وتسقي من مر بها ، فسألاها : هل عندها شئ يشترونه ؟ فقالت : -والله لو عندنا شئ ما أعوزكم القرى ، والشاء عازب - وكانت سنة شهباء - فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة ، فقال : ما هذه الشاة ؟ قالت : خلفها الجهد عن الغنم ، فقال : هل بها من لبن ؟، قالت : هي أجهد من ذلك ، قال : أتأذنين لي أن أحلبها ؟، قالت : | ||
نعم -بأبي أنت وأمي- إن رأيت بها حليباً فاحلبها، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ضرعها ، وسمى الله ودعا . فتفاجت عليه ودرت ، فدعا بإناء لها يربض الرهط ، فحلب فيه حتى علته الرغوة ، فسقاها فشربت حتى رويت ، وسقى أصحابه حتى رووا ، ثم شرب هو ، وحلب فيه ثانياً فملأ الإناء، ثم غادره عندها وارتحلوا . فقل ما لبثت : أن جاء زوجها يسوق أعنزاً عجافاً يتساوكن هزالاً ، فلما رأى اللبن ، قال : من أين هذا؟ والشاء عازب ، ولا حلوبة في البيت . قالت : لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك ، من حديثه : كيت وكيت ، قال : والله إني لأراه صاحب قريش الذي تطلبه ، صفيه لي يا أم معبد . قالت : ظاهر الو ضاءة ، أبلج الوجه ، حسن الخلق ، لم تعبه ثجلة ، ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم في عينيه دعج ، وفي أشفاره وطف ، وفي صوته صحل ، وفي عنقه سطع ، وفي لحيته كثاثة أحور أكحل أزج أقرن، شديد سواد الشعر، إذا تكلم علاه البهاء ، أجمل الناس وأبهاه من بعيد ، وأحسنه وأحلاه من قريب ، حلو المنطق ، فصل ، لا تزر ولا هذر ، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن ، ربعة لا تقتحمه عين من قصر ، وتشنؤه من طول ، غصن بين غصنين ، فهو أنضر الثلاثة منظراً ، وأحسنهم قدراً ، له رفقاء يحفون به ، إذا قال استمعوا لقوله ، وإذا أمر تبادروا إلى أمره ، محفود محشود ، لا عابس ولا مفند . قال أبو معبد : هذا -والله- صاحب قريش الذي تطلبه ، ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن ، إن وجدت إلى ذلك سبيلاً . وأصبح صوت عال بمكة يسمعونه ، ولا يرون القائل ، يقول : جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلا بالبر وارتحلا به فأفلح من أمسى رفيق محمد فيا لقصي ما زوى الله عنكمو به من فخار لا يحاذى وسؤدد وقد غادرت وهناً لديها بحالب يرد بها في مصدر ثم يورد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها؟ فإنكموا إن ت سألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت له بصريح ضرة الشاة مزبد لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم وقدس من يسري إليه ويغتدي ترحل عن قوم فزالت عقولهم وحل على قوم بنور مجدد هداهم به -بعد الضلالة-ربهم وأرشدهم من يتبع الحق يرشد وقد نزلت منه على أهل يثرب ركاب هدى حلت عليهم بأسعد نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ويتلو كتاب الله في كل مشهد وإن قال في يوم مقالة غائب فتصديقها في ضحوة اليوم أوغد ليهن أبا بكر سعادة جده بصحبته من يسعد الله يسعد ويهن بني كعب مكان فتاتهم ويقعدها للمؤمنين بمرصد قالت أسماء بنت أبي بكر : مكثنا ثلاث ليال لا ندري أين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بأبيات غناء العرب ، والناس يتبعونه ، ويسمعون منه ولا يرونه ، حتى خرج من أعلى مكة ، فعرفنا أين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالت : ولما خرج أبو بكر احتمل معه ماله ، فدخل علينا جدي أبو قحافة -وقد ذهب بصره - فقال : إني والله لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه . قلت : كلا والله ، قد ترك لنا خيراً . وأخذت حج ارة ، فوضعتها في كوة البيت . وقلت : ضع يدك على المال . فوضعها ، وقال : لا بأس ، إن كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن . قالت : والله ما ترك لنا شيئاً ، وإنما أردت أن أسكت الشيخ . بناؤه صلى الله عليه وسلم بعائشة :
| |||
بناء المسجد :
![]() | قال الزهري : بركت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موضع مسجده ، وكان مربداً لسهل وسهيل ، غلامين يتيمين من الأنصار ، كانا في حجر أسعد بن زرارة . فساوم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين بالمربد ، ليتخذه مسجداً ، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله ، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فاشتراه منهما بعشرة دنانير . |
وفي الصحيح أنه قال : يا بني النجار ، ثامنوني بحائطكم هذا، قالوا . لا والله ، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله - وكان فيه شجر غرقد ونخل ، وقبور للمشركين ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقبور فنبشت ، وبالنخيل والشجر فقطع . وصفت في قبلة المسجد . وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع . وفي الجانبين مثل ذلك أو دونه ، وأساسه قريباً من ثلاثة أذرع ، ثم بنوه باللبن ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يبني معهم ، وينقل اللبن والحجارة بنفسه ، ويقول : اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة وكان يقول : هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر وجعلوا يرتجزون ، ويقول أحدهم في رجزه : لئن قعدنا والرسول يعمل لذاك منا العمل ا لمضلل وجعل قبلته إلى بيت المقدس ، وجعل له ثلاثة أبواب : باب في مؤخره ، وباب يقال له : باب الرحمة ، والباب الذي يدخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم . وجعل عمده الجذوع ، وسقفه الجريد وقيل له : ألا تسقفه ؟ قال : عريش كعريش موسى، وبنى بيوت نسائه إلى جانبيه . بيوت الحجر باللبن ، وسقفها بالجذوع والجريد . | |
حوادث السنة الثانية :
وفي السنة الثانية : رأى عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأذان ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقيه على بلال . وفيها : فرض صوم رمضان ، ونسخ صوم عاشوراء ، وبقي صومه مستحباً . وفيها : زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً فاطمة رضي الله عنهما . وفيها : صرف الله عز وجل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة . |
المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين :
![]() | ثم آخى بين المهاجرين والأنصار ، وكانوا تسعين رجلاً : نصفهم من المهاجرين ، ونصفهم من الأنصار ، آخى بينهم على المواساة ، وعلى أن يتوارثوا بعد الموت ، دون ذوي الأرحام ، إلى وقعه بدر . فلما أنزل الله : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ، رد التوارث إلى الأرحام [دون عقد الأخوة] |
وقيل : إنه آخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض مؤاخاة ثانية ، واتخذ علياً أخاً لنفسه ، والأثبت الأول . وفي الصحيح عن عائشة ، قالت : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهي وبيئة ، فمرض أبو بكر ، وكان يقول إذا أخذته الحمى : كل امرىء مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته ، ويقول : ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوماً مياه مجنة؟ وهل يبدون لي شامة وطفيل؟ اللهم العن عتبة بن ربيعة ، وأمية بن خلف ، وشيبة بن ربيعة ، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء . فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد . اللهم صححها ، وبارك لنا في صاعها ومدها ، وانقل حماها إلى الجحفة ، قالت : فكان المولود يولد في الجحفة ، فلا يبلغ الحلم حتى تصرعه الحمى . | |
أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم :
![]() | وأول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم على قول موسى بن عقبة -لواء حمزة بن عبد المطلب في شهر رمضان في السنة الأولى ، بعثه في ثلاثين رجلاً من المهاجرين خاصة ، يعترض عيراً لقريش ، جاءت من الشام ، فيها أبو جهل في ثلاثمائة رجل ، حتى بلغوا سيف البحر من ناحية العيص ، فالتقوا واصطفوا للقتال فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني ، وكان موادعاً للفريقين ، فلم يقتتلوا . |
إسلام عبد الله بن سلام :
![]() | وبادر عالم اليهود وحبرهم : عبد الله بن سلام فأسلم ، وأبى عامتهم إلا الكفر . وكانوا ثلاث قبائل : قينقاع ، والنضير ، وقريظة ، فنقض الثلاث العهد . وحاربهم ، فمن على بني قينقاع ، وأجلى بني النضير ، وقتل بني قريظة . ونزلت سورة الحشر في بني النضير ، وسورة الأحزاب في بني قريظة . |
سرية سعد بن أبي وقاص :
ثم بعث سعد بن أبي وقاص في ذي القعدة من تلك السنة إلى الخرار من أرض الحجاز ، يعترضون عيراً لقريش . وعهد إليه : أن لا يجاوز الخرار ، وكانوا عشرين . فخرجوا على أقدامهم يسيرون بالليل ، ويكمنون بالنهار ، حتى بلغوا الخرار ، فوجدوا العير قد مرت بالأمس . ثم دخلت السنة الثانية .
سرية عبيدة بن الحارث :
ثم بعث عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف في شوال من تلك السنة، في سرية إلى بطن رابغ في ستين رجلاً من المهاجرين خاصة . فلقي أبا سفيان عند رابغ ، فكان بينهم الرمي ، ولم يسلوا السيوف ، وإنما كانت مناوشة . وكان سعد بن أبي وقاص أول من رمى بسهم في سبيل الله ، ثم انصرف الفريقان . وقدم ابن إسحاق سرية حمزة .
غزوة بواط :
ثم غزا رسول الله صلى الله عليه و سلم غزوة بواط ، فخرج بنفسه صلى الله عليه و سلم في ربيع الآخر من السنة الثانية ، و استعمل على االمدينة السائب بن عثمان بن مظعون فسار حتى بلغ بواط من ناحية رضوى، ثم رجع ولم يلق حرباً
غزوة الأبواء :
قسم غنائم بدر :
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالغنائم فجمعت فاختلفوا ، فقال من جمعها : هي لنا . وقال من هزم العدو : لولانا ما أصبتموها . وقال الذين يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنتم بأحق بها منا ، قال عبادة بن الصامت : فنزعها الله من أيدينا ، فجعلها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقسمها بين المسلمين ، وأنزل الله تعالى : يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول الآيات . وذكر ابن إسحاق عن نبيه بن وهب ، قال : فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسرى على أصحابه ، وقال : استوصوا بالأسرى خيراً ، فكان أبو عزيز بن عمير عند رجل من الأنصار ، فقال له أخوه مصعب : شد يدك به ، فإن أخته ذات متاع . فقال أبو عزيز : يا أخي ! هذه وصيتك بي ؟ فقال مصعب : إنه أخي دونك ، قال أبو عزيز: وكنت مع رهط من الأنصار حين قفلوا ، فكانوا إذا قدموا طعاماً خصوني بالخبز ، وأكلوا التمر ، لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا ، ما يقع في يد رجل منهم كسرة إلا نفحني بها ، قال : فأستحي فأردها على أحدهم ، فيردها علي ، ما يمسها
أسارى بدر :
واسشتار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في الأسرى ، وهم سبعون ، وكذلك القتلى سبعون أيضاً . فأشار الصديق : أن يؤخذ منهم فدية ، تكون لهم قوة ، ويطلقهم لعل الله يهديهم للإسلام . فقال عمر : لا والله ، ما أرى ذلك ، ولكني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم ، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديد الشرك ، فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ، فقال : إن الله عز وجل ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللين ، وإن الله عز وجل ليشدد قلوب رجال فيه ، حتى تكون أشد من الحجارة . وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم ؟ إذ قال : فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى ، إذ قال : إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ، وإن مثلك يا عمر كمثل موسى ، قال: ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم ، وإن مثلك يا عمر كمثل نوح ، قال : رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ، ثم قال : أنتم اليوم عالة ، فلا ينفلتن منهم أحد إلا بفداء ، أو ضرب عنق ، فأنزل الله تعالى : ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض الآيتين . قال عمر : فلما كان من الغد ، غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هو قاعد -هو وأبو بكر- يبكيان ، فقلت : يا رسول الله ! أخبرني ما يبكيك وصاحبك ؟ فإن وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد تباكيت لبكائكما . فقال : أبكي للذي عرض علي أصحابك من الغد : من أخذهم الفداء ، فقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة -لشجرة قريبة منه صلى الله عليه وسلم- وقال : لو نزل عذاب ما سلم منه إلا عمر . وقال الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم : نريد أن نترك لابن أختنا العباس فداءه ، فقال : لا تدعوا منه درهماً . ثم دخلت السنة الثالثة من الهجرة .
غزوة بني قينقاع :
فكانت فيها غزوة بني قينقاع ، وكانوا من يهود المدينة . فنقضوا العهد . فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة ، فنزلوا على حكمه ، فشفع فيهم عبد الله بن أبي بن سلول ، وألح على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ، فأطلقهم له، وكانوا سبعمائة رجل ، وهم رهط عبد الله بن سلام .
غزوة أحد :
أصحابه في الخروج إليهم ، وكان رأيه أن لا يخرجوا ، فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه السكك ، والنساء من فوق البيوت ، ووافقه عبد الله بن أبي -رأس المنافقين- على هذا الرأي ، فبادر جماعة من فضلاء الصحابة -ممن فاته بدر- وأشاروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج ، وألحوا عليه . فنهض ودخل بيته، ولبس لأمته ، وخرج عليهم ، فقالوا : استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج . ثم قالوا : إن أحببت أن تمكث بالمدينة فافعل ، فقال : ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه . فخرج في ألف من أصحابه ، واستعمل على المدينة عبد الله بن أم مكتوم . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رؤيا : رأى أن في سيفه ثلمة ، وأن بقراً تذبح . وأنه يدخل يده في درع حصينة . فتأول الثلمة : برجل يصاب من أهل بيته ، والبقر : بنفر من أصحابه يقتلون ، والدرع بالمدينة ، فخرج ، وقال لأصحابه : عليكم بتقوى الله ، والصبر عند البأس إذا لقيتم العدو ، وانظروا ماذا أمركم الله به فافعلوا . فلما كان بالشوط -بين المدينة وأحد- انخزل عبد الله بن أبي بنحو ثلث العسكر ، وقال : عصاني . وسمع من غيري ما ندري علام نقتل أنفسنا ها هنا ، أيها الناس ؟ فرجع وتبعهم عبد الله بن عمرو -والد جابر- يحرضهم على الرجوع ، ويقول : قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ، قالوا : لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع، فرجع عنهم وسبهم . وسأل نفر من الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستعينوا بحلفائهم من يهود ، فأبى ، وقال : من يخرج بنا على القوم من كثب؟ . فخرج به بعض الأنصار ، حتى سلك في حائط لمربع بن قيظي من المنافقين -وكان أعمى-، فقام يحثو التراب في وجوه المسلمين ، ويقول : لا أحل لك أن تدخل في حائطي ، إن كنت رسول الله . فابتدروه ليقتلوه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقتلوه فهذا أعمى القلب أعمى البصر . ونفذ حتى نزل الشعب من أحد ، في عدوة الوادي الدنيا ، وجعل ظهره إلى أحد ، ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم . فلما أصبح يوم السبت تعبأ للقتال ، وهو في سبعمائة ، منهم خمسون فارساً ، واستعمل على الرماة -وكانوا خمسين- عبد الله بن جبير . وأمرهم : أن لا يفارقوا مركزهم ، ولو رأوا الطير تختطف العسكر ، وأمرهم : أن ينضحوا المشركين بالنبل ، لئلا يأتوا المسلمين من ورائهم . وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين . وأعطى اللواء مصعب بن عمير ، وجعل على إحدى المجنبتين الزبير بن العوام ، وعلى الأخرى : المنذر بن عمرو . واستعرض الشباب يومئذ ، فرد من استصغر عن القتال -كابن عمر ، وأسامة بن زيد ، والبراء ، وزيد بن أرقم ، وزيد بن ثابت ، وعرابة الأوسي- وأجاز من رآه مطيقاً . وتعبأت قريش ، وهم ثلاثة آلاف . وفيهم مائتا فارس ، فجعلوا ميمنتهم : خالد بن الوليد ، وعلى الميسرة : عكرمة بن أبي جهل . ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه إلى أبي دجانة . وكان أول من بدر من المشركين أبو عامر -عبد عمرو بن صيفي- الفاسق ، وكان يسمى الراهب . وهو رأس الأوس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام شرق به ، وجاهر بالعداوة . فذهب إلى قريش يؤلبهم على رسول ا لله صلى الله عليه وسلم ووعدهم : بأن قومه إذا رأوه أطاعوه ، فلما ناداهم ، وتعرف إليهم ، قالوا : لا أنعم الله بك عيناً يا فاسق ، فقال : لقد أصاب قومي بعدي شر . ثم قاتل المسلمين قتالاً شديداً ، ثم أرضخهم بالحجارة . وأبلى يومئذ أبو دجانة، وطلحة، وحمزة، وعلي، والنضر بن أنس، وسعد بن الربيع بلاء حسناً . وكانت الدولة أول النهار للمسلمين ، فانهزم أعداء الله ، وولوا مدبرين ، حتى انتهوا إلى نسائهم ، فلما رأى ذلك الرماة ، قالوا : الغنيمة ، الغنيمة ، فذكرهم أميرهم عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يسمعوا ، فأخلوا الثغر ، وكر فرسان المشركين عليه ، فوجدوه خالياً ، فجاؤوا منه . وأقبل آخرهم حتى أحاطوا بالمسلمين فأكرم الله من أكرم منهم بالشهادة -وهم سبعون- وولى الصحابة . وخلص المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجرحوه جراحات ، وكسروا رباعيته . وقتل مصعب بن عمير بين يديه ، فدفع اللواء إلى علي بن أبي طالب . وأدركه المشركون يريدون قتله ، فحال دونه نحو عشرة حتى قتلوا ، ثم جالدهم طلحة بن عبيد الله حتى أجهضهم عنه ، وترس أبو دجانة عليه بظهره ، والنبل يقع فيه وهو لا يتحرك . وأصيبت يومئذ عين قت ادة بن النعمان ، فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فردها بيده ، فكانت أحسن عينيه . وصرخ الشيطان : إن محمداً قد قتل ، فوقع ذلك في قلوب كثير من المسلمين . فمر أنس بن النضر بقوم من المسلمين قد ألقوا بأيديهم ، فقالوا : قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : ما تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه . ثم استقبل الناس ، ولقي سعد بن معاذ ، فقال : يا سعد ! إني لأجد ريح الجنة من دون أحد ، فقاتل حتى قتل ، ووجد به سبعون جراحة . وقتل وحشي حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ، رماه بحربة على طريقة الحبشة . وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو المسلمين ، فكان أول من عرفه تحت المغفر : كعب بن مالك ، فصاح بأعلى صوته : يا معشر المسلمين ! هذا رسول الله ، فأشار إليه : أن اسكت ، فاجتمع إليه المسلمون ، ونهضوا معه إلى الشعب الذي نزل فيه . فلما أسندوا إلى الجبل أدركه أبي بن خلف على فرس له ، كان يزعم بمكة : أنه يقتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما اقترب منه طعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ترقوته ، فكر منهزماً . فقال له المشركون : ما بك من بأس ، فقال : والله لو كان ما بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين ، فمات بسرف . وحانت الصلاة ، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً . وشد حنظلة بن أبي عامر على أبي سفيان ، فلما تمكن منه حمل عليه شداد بن الأسود فقتله ، وكان حنظلة جنباً ، فإنه حين سمع الصيحة وهو على بطن امرأته : قام من فوره إلى الجهاد ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الملائكة تغسله . وكان الأصيرم -عمرو بن ثابت بن وقش- يأبى الإسلام ، وهو من بني عبد الأشهل ، فلما كان يوم أحد: قذف الله الإسلام في قلبه للحسنى التي سبقت له . فأسلم وأخذ سيفه ، فقاتل ، حتى أثبتته الجراح ، ولم يعلم أحد بأمره . فلما طاف بنو عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم ، وجدوا الأصيرم -وبه رمق يسير ، فقالوا : والله إن هذا الأصيرم ، ثم سألوه : ما الذي جاء بك ؟ أحدب على قومك ، أم رغبة في الإسلام ؟ فقال : بل رغبة في الإسلام ، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت ، ومات من وقته . فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : هو من أهل الجنة، ولم يصل لله سجدة قط . ولما انقضت الحرب : أشرف أبو سفيان على الجبل ، ونادى : أفيكم محمد ؟ فلم يجيبوه ، فقال : أفيكم ابن أبي قحافة ؟ فلم يجيبوه . فقال : أفيكم ابن ا لخطاب ؟ فلم يجيبوه ، فقال : أما هؤلاء فقد كفيتموهم ، فلم يملك عمر نفسه أن قال : يا عدو الله ! إن الذين ذكرتهم أحياء ، وقد أبقى الله لك منهم ما يسوءك ، ثم قال : اعل هبل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا تجيبوه ؟، قالوا : ما نقول ؟ قال : قولوا : الله أعلى وأجل، ثم قال : لنا العزى ، ولا عزى لكم ، قال : ألا تجيبوه ؟ قالوا : ما نقول ؟ قال : قولوا : الله مولانا ، ولا مولى لكم ، ثم قال : يوم بيوم بدر ، والحرب سجال ، فقال عمر : لا سواء ، قتلانا في الجنة ، وقتلاكم في النار . وأنزل الله عليهم النعاس في بدر وفي أحد ، والنعاس في الحرب من الله ، وفي الصلاة ومجالس الذكر : من الشيطان . وقاتلت الملائكة يوم أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ففي الصحيحين عن سعد ، قال : رأيت رسول الله يوم أحد ، ومعه رجلان يقاتلان عنه ، عليهما ثياب بيض ، كأشد القتال ، وما رأيتهما قبل ولا بعد . ومر رجل من المهاجرين برجل من الأنصار -وهو يتشحط في دمه- فقال : يا فلان ! أشعرت أن محمداً قتل ؟ فقال الأنصاري : إن كان قد قتل فقد بلغ ، فقاتلوا عن دينكم ، فنزل : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل الآ ية . وكان يوم أحد يوم بلاء وتمحيص ، اختبر الله عز وجل به المؤمنين ، وأظهر به المنافقين ، وأكرم فيه من أراد كرامته بالشهادة ، فكان مما نزل من القرآن في يوم أحد : إحدى وستون آية من آل عمران ، أولها : وإذ غدوت من أهلك تبوء المؤمنين مقاعد للقتال الآيات . ولما انصرفت قريش تلاوموا فيما بينهم ، وقالوا : لم تصنعوا شيئاً ، أصبتم شوكتهم ، ثم تركتموه ، وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم ، فارجعوا حتى نستأصل بقيتهم . فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنادى في الناس بالمسير إليهم ، وقال : لا يخرج معنا إلا من شهد القتال ، فقال له ابن أبي : أركب معك ؟ قال : لا . فاستجاب له المسلمون -على ما بهم من القرح الشديد- وقالوا : سمعاً وطاعة . وقال جابر : يا رسول الله ! إني أحب أن لا تشهد مشهداً إلا كنت معك ، وإنما خلفني أبي على بناته ، فائذن لي أن أسير معك . فأذن له . فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ، حتى بلغوا حمراء الأسد ، فبلغ ذلك أبا سفيان ومن معه، فرجعوا إلى مكة. وشرط أبو سفيان لبعض المشركين شرطاً على أنه إذا مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه : أن يخوفهم ، ويذكر لهم : أن قريش اً أجمعوا للكرة عليكم ليستأصلوا بقيتكم ، فلما بلغهم ذلك قالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل . ثم دخلت السنة الرابعة . فكانت فيها وقعة خبيب وأصحابه ، في صفر . | [http://www.islamweb.net.qa/seera/contents.htm] |
غزوة أحد :
أصحابه في الخروج إليهم ، وكان رأيه أن لا يخرجوا ، فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه السكك ، والنساء من فوق البيوت ، ووافقه عبد الله بن أبي -رأس المنافقين- على هذا الرأي ، فبادر جماعة من فضلاء الصحابة -ممن فاته بدر- وأشاروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج ، وألحوا عليه . فنهض ودخل بيته، ولبس لأمته ، وخرج عليهم ، فقالوا : استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج . ثم قالوا : إن أحببت أن تمكث بالمدينة فافعل ، فقال : ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه . فخرج في ألف من أصحابه ، واستعمل على المدينة عبد الله بن أم مكتوم . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رؤيا : رأى أن في سيفه ثلمة ، وأن بقراً تذبح . وأنه يدخل يده في درع حصينة . فتأول الثلمة : برجل يصاب من أهل بيته ، والبقر : بنفر من أصحابه يقتلون ، والدرع بالمدينة ، فخرج ، وقال لأصحابه : عليكم بتقوى الله ، والصبر عند البأس إذا لقيتم العدو ، وانظروا ماذا أمركم الله به فافعلوا . فلما كان بالشوط -بين المدينة وأحد- انخزل عبد الله بن أبي بنحو ثلث العسكر ، وقال : عصاني . وسمع من غيري ما ندري علام نقتل أنفسنا ها هنا ، أيها الناس ؟ فرجع وتبعهم عبد الله بن عمرو -والد جابر- يحرضهم على الرجوع ، ويقول : قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ، قالوا : لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع، فرجع عنهم وسبهم . وسأل نفر من الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستعينوا بحلفائهم من يهود ، فأبى ، وقال : من يخرج بنا على القوم من كثب؟ . فخرج به بعض الأنصار ، حتى سلك في حائط لمربع بن قيظي من المنافقين -وكان أعمى-، فقام يحثو التراب في وجوه المسلمين ، ويقول : لا أحل لك أن تدخل في حائطي ، إن كنت رسول الله . فابتدروه ليقتلوه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقتلوه فهذا أعمى القلب أعمى البصر . ونفذ حتى نزل الشعب من أحد ، في عدوة الوادي الدنيا ، وجعل ظهره إلى أحد ، ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم . فلما أصبح يوم السبت تعبأ للقتال ، وهو في سبعمائة ، منهم خمسون فارساً ، واستعمل على الرماة -وكانوا خمسين- عبد الله بن جبير . وأمرهم : أن لا يفارقوا مركزهم ، ولو رأوا الطير تختطف العسكر ، وأمرهم : أن ينضحوا المشركين بالنبل ، لئلا يأتوا المسلمين من ورائهم . وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين . وأعطى اللواء مصعب بن عمير ، وجعل على إحدى المجنبتين الزبير بن العوام ، وعلى الأخرى : المنذر بن عمرو . واستعرض الشباب يومئذ ، فرد من استصغر عن القتال -كابن عمر ، وأسامة بن زيد ، والبراء ، وزيد بن أرقم ، وزيد بن ثابت ، وعرابة الأوسي- وأجاز من رآه مطيقاً . وتعبأت قريش ، وهم ثلاثة آلاف . وفيهم مائتا فارس ، فجعلوا ميمنتهم : خالد بن الوليد ، وعلى الميسرة : عكرمة بن أبي جهل . ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه إلى أبي دجانة . وكان أول من بدر من المشركين أبو عامر -عبد عمرو بن صيفي- الفاسق ، وكان يسمى الراهب . وهو رأس الأوس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام شرق به ، وجاهر بالعداوة . فذهب إلى قريش يؤلبهم على رسول ا لله صلى الله عليه وسلم ووعدهم : بأن قومه إذا رأوه أطاعوه ، فلما ناداهم ، وتعرف إليهم ، قالوا : لا أنعم الله بك عيناً يا فاسق ، فقال : لقد أصاب قومي بعدي شر . ثم قاتل المسلمين قتالاً شديداً ، ثم أرضخهم بالحجارة . وأبلى يومئذ أبو دجانة، وطلحة، وحمزة، وعلي، والنضر بن أنس، وسعد بن الربيع بلاء حسناً . وكانت الدولة أول النهار للمسلمين ، فانهزم أعداء الله ، وولوا مدبرين ، حتى انتهوا إلى نسائهم ، فلما رأى ذلك الرماة ، قالوا : الغنيمة ، الغنيمة ، فذكرهم أميرهم عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يسمعوا ، فأخلوا الثغر ، وكر فرسان المشركين عليه ، فوجدوه خالياً ، فجاؤوا منه . وأقبل آخرهم حتى أحاطوا بالمسلمين فأكرم الله من أكرم منهم بالشهادة -وهم سبعون- وولى الصحابة . وخلص المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجرحوه جراحات ، وكسروا رباعيته . وقتل مصعب بن عمير بين يديه ، فدفع اللواء إلى علي بن أبي طالب . وأدركه المشركون يريدون قتله ، فحال دونه نحو عشرة حتى قتلوا ، ثم جالدهم طلحة بن عبيد الله حتى أجهضهم عنه ، وترس أبو دجانة عليه بظهره ، والنبل يقع فيه وهو لا يتحرك . وأصيبت يومئذ عين قت ادة بن النعمان ، فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فردها بيده ، فكانت أحسن عينيه . وصرخ الشيطان : إن محمداً قد قتل ، فوقع ذلك في قلوب كثير من المسلمين . فمر أنس بن النضر بقوم من المسلمين قد ألقوا بأيديهم ، فقالوا : قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : ما تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه . ثم استقبل الناس ، ولقي سعد بن معاذ ، فقال : يا سعد ! إني لأجد ريح الجنة من دون أحد ، فقاتل حتى قتل ، ووجد به سبعون جراحة . وقتل وحشي حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ، رماه بحربة على طريقة الحبشة . وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو المسلمين ، فكان أول من عرفه تحت المغفر : كعب بن مالك ، فصاح بأعلى صوته : يا معشر المسلمين ! هذا رسول الله ، فأشار إليه : أن اسكت ، فاجتمع إليه المسلمون ، ونهضوا معه إلى الشعب الذي نزل فيه . فلما أسندوا إلى الجبل أدركه أبي بن خلف على فرس له ، كان يزعم بمكة : أنه يقتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما اقترب منه طعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ترقوته ، فكر منهزماً . فقال له المشركون : ما بك من بأس ، فقال : والله لو كان ما بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين ، فمات بسرف . وحانت الصلاة ، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً . وشد حنظلة بن أبي عامر على أبي سفيان ، فلما تمكن منه حمل عليه شداد بن الأسود فقتله ، وكان حنظلة جنباً ، فإنه حين سمع الصيحة وهو على بطن امرأته : قام من فوره إلى الجهاد ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الملائكة تغسله . وكان الأصيرم -عمرو بن ثابت بن وقش- يأبى الإسلام ، وهو من بني عبد الأشهل ، فلما كان يوم أحد: قذف الله الإسلام في قلبه للحسنى التي سبقت له . فأسلم وأخذ سيفه ، فقاتل ، حتى أثبتته الجراح ، ولم يعلم أحد بأمره . فلما طاف بنو عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم ، وجدوا الأصيرم -وبه رمق يسير ، فقالوا : والله إن هذا الأصيرم ، ثم سألوه : ما الذي جاء بك ؟ أحدب على قومك ، أم رغبة في الإسلام ؟ فقال : بل رغبة في الإسلام ، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت ، ومات من وقته . فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : هو من أهل الجنة، ولم يصل لله سجدة قط . ولما انقضت الحرب : أشرف أبو سفيان على الجبل ، ونادى : أفيكم محمد ؟ فلم يجيبوه ، فقال : أفيكم ابن أبي قحافة ؟ فلم يجيبوه . فقال : أفيكم ابن ا لخطاب ؟ فلم يجيبوه ، فقال : أما هؤلاء فقد كفيتموهم ، فلم يملك عمر نفسه أن قال : يا عدو الله ! إن الذين ذكرتهم أحياء ، وقد أبقى الله لك منهم ما يسوءك ، ثم قال : اعل هبل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا تجيبوه ؟، قالوا : ما نقول ؟ قال : قولوا : الله أعلى وأجل، ثم قال : لنا العزى ، ولا عزى لكم ، قال : ألا تجيبوه ؟ قالوا : ما نقول ؟ قال : قولوا : الله مولانا ، ولا مولى لكم ، ثم قال : يوم بيوم بدر ، والحرب سجال ، فقال عمر : لا سواء ، قتلانا في الجنة ، وقتلاكم في النار . وأنزل الله عليهم النعاس في بدر وفي أحد ، والنعاس في الحرب من الله ، وفي الصلاة ومجالس الذكر : من الشيطان . وقاتلت الملائكة يوم أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ففي الصحيحين عن سعد ، قال : رأيت رسول الله يوم أحد ، ومعه رجلان يقاتلان عنه ، عليهما ثياب بيض ، كأشد القتال ، وما رأيتهما قبل ولا بعد . ومر رجل من المهاجرين برجل من الأنصار -وهو يتشحط في دمه- فقال : يا فلان ! أشعرت أن محمداً قتل ؟ فقال الأنصاري : إن كان قد قتل فقد بلغ ، فقاتلوا عن دينكم ، فنزل : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل الآ ية . وكان يوم أحد يوم بلاء وتمحيص ، اختبر الله عز وجل به المؤمنين ، وأظهر به المنافقين ، وأكرم فيه من أراد كرامته بالشهادة ، فكان مما نزل من القرآن في يوم أحد : إحدى وستون آية من آل عمران ، أولها : وإذ غدوت من أهلك تبوء المؤمنين مقاعد للقتال الآيات . ولما انصرفت قريش تلاوموا فيما بينهم ، وقالوا : لم تصنعوا شيئاً ، أصبتم شوكتهم ، ثم تركتموه ، وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم ، فارجعوا حتى نستأصل بقيتهم . فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنادى في الناس بالمسير إليهم ، وقال : لا يخرج معنا إلا من شهد القتال ، فقال له ابن أبي : أركب معك ؟ قال : لا . فاستجاب له المسلمون -على ما بهم من القرح الشديد- وقالوا : سمعاً وطاعة . وقال جابر : يا رسول الله ! إني أحب أن لا تشهد مشهداً إلا كنت معك ، وإنما خلفني أبي على بناته ، فائذن لي أن أسير معك . فأذن له . فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ، حتى بلغوا حمراء الأسد ، فبلغ ذلك أبا سفيان ومن معه، فرجعوا إلى مكة. وشرط أبو سفيان لبعض المشركين شرطاً على أنه إذا مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه : أن يخوفهم ، ويذكر لهم : أن قريش اً أجمعوا للكرة عليكم ليستأصلوا بقيتكم ، فلما بلغهم ذلك قالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل . ثم دخلت السنة الرابعة . فكانت فيها وقعة خبيب وأصحابه ، في صفر . | [http://www.islamweb.net.qa/seera/contents.htm] |








































