Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

الســـــــــــيــــرة النـــبــــويــــــــــة الشــــــــــــريــــــفــــــة

About me Photos from here and there LEARN ENGLISH Guest Book Welcome To My Homepage Family photos The man with the killer eyes and BBC News Indian cultural center meating Advertisements  Important news My journey to Namibia Blog SONNA

مـخـتصـر السـيـرة النبـوية الشريفة لمحمد عبد الوهاب الجـــزء الأول

بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

 

غار حراء

ثم ذكر قصة بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقصة في الصحيحين ، وفيها : أن أول ما أنزل عليه : اقرأ باسم ربك الذي خلق إلى قوله : ما لم يعلم ، ثم أنزل عليه : يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر* والرجز فاهجر * ولا تمنن تستكثر * ولربك فاصبر . فمن فهم أن هذه أول آية أرسله الله بها ، عرف أنه سبحانه أمره أن ينذر الناس عن الشرك الذي يعتقدون أنه عبادة الأولياء ليقربوهم إلى الله قبل إنذاره عن نكاح الأمهات والبنات ، وعرف أن قوله تعالى : وربك فكبر أمر بالتوحيد قبل الأمر بالصلاة وغيرها ، وعرف قدر الشرك عند الله وقدر التوحيد . فلما أنذر صلى الله عليه وسلم الناس استجاب له قليل . 

وأما الأكثر فلم يتبعوا ولم ينكروا ، حتى بادأهم بالتنفير عن دينهم وبيان نقائصه وعيب آلهتهم ، فاشتدت عداوتهم له ولمن تبعه ، وعذبوهم عذاباً شديداً ، وأرادوا أن يفتنوهم عن دينهم . فمن فهم هذا : عرف أن الإسلام لا يستقيم إلا بالعداوة لمن تركه وعيب دينه وإلا لو كان لأولئك المعذبين رخصة لفعلوا . وجرى بينه وبينهم ما يطول وصفه ، وقص الل ه سبحانه بعضه في كتابه . ومن أشهر ذلك : قصة عمه أبي طالب لما حماه بنفسه وماله وعياله وعشيرته ، وقاسى في ذلك الشدائد العظيمة ، وصبر عليها ، ومع ذلك كان مصدقاً له ، مادحاً لدينه : محباً لمن اتبعه ، معادياً لمن عاداه ، لكن لم يدخل فيه ، ولم يتبرأ من دين آبائه ، واعتذر عن ذلك بأنه لا يرضى بمسبة آبائه ، ولولا ذلك لاتبعه ، ولما مات وأراد النبي صلى الله عليه وسلم الاستغفار له أنزل الله عليه : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم . فيا لها من عبرة ما أبينها ؟ ومن عظة ما أبلغها ! ومن بيان ما أوضحه ! لما يظن كثير ممن يدعي اتباع الحق فيمن أحب الحق وأهله ، من غير اتباع للحق لأجل غرض من أغراض الدنيا .

قصته صلى الله عليه وسلم مع قريش حين قرأ سورة النجم

    ومما وقع أيضاً : قصته صلى الله عليه وسلم معهم لما قرأ سورة النجم بحضرتهم - فلما وصل إلى قوله : أفرأيتم اللات والعزى* ومناة الثالثة الأخرى ، ألقى الشيطان في تلاوته : تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى ، وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله ، ففرحوا بذلك فرحاً شديداً ، وتلقاها الصغير والكبير منهم ، وقالوا كلاماً معناه : هذا الذي نريد ، نحن نقر أن الله هو الخالق الرازق ، المدبر للأمور ، ولكن نريد شفاعتها عنده ، فإذا أقر بذلك فليس بيننا وبينه أي خلاف . واستمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها ، فلما بلغ السجدة سجد وسجدوا معه ، وشاع الخبر : أنهم صافوه ، حتى إن الخبر وصل إلى الصحابة الذين بالحبشة ، فركبوا البحر راجعين ، لظنهم أن ذلك صدق ، فلما ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاف أن يكون قاله فخاف من الله خوفاً عظيماً ، حتى أنزل الله عليه : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته إلى قوله : عذاب يوم عظيم .

 فمن عرف هذه القصة ، وعرف ما عليه المشركون اليوم ، وما قاله ويقوله علماؤهم ، ولم يميز بين الإسلام الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم ، وبين دين قريش الذي أرسل الله رسوله ينذرهم عنه ، وهو الشرك الأكبر: فأبعده الله ، فإن هذه القصة في غاية الوضوح ، إلا من طبع الله ، على قلبه وسمعه ، وجعل على بصره غشاوة ، فذلك لا حيلة فيه ، ولو كان من أفهم الناس ، كما قال الله تعالى في أهل الفهم الذين لم يوفقوا : ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء الآية . ثم لم أراد الله إظهار دينه ، وإعزاز المسلمين : أسلم الأنصار -أهل المدينة- بسبب العلماء الذين عندهم من اليهود ، وذكرهم لهم النبي وصفته ، وأن هذا زمانه وقدر الله سبحانه أن أولئك العلماء الذين يتمنون ظهوره وينتظرونه ، ويتوعدونهم به - لمعرفتهم أن العز لمن اتبعه- يكفرون به ويعادونه ، فهو قول الله سبحانه : ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين . فلما أسلم الأنصار أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان بمكة من المسلمين بالهجرة إلى المدينة ، فهاجروا إ ليها . وأعزهم الله تعالى بعد تلك الذلة ، فهو قوله تعالى : واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره الآية .

فوائد الهجره

     فوائد الهجره ، والمسائل التي فيها كثيرة ، لكن نذكر منها مسألة واحدة ، وهي : أن ناساً من المسلمين لم يهاجروا ، كراهة مفارقة الأهل ، والوطن والأقارب ، فهو قوله تعالى : قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين . فلما خرجت قريش إلى بدر خرجوا معهم كرهاً ، فقتل بعضهم بالرمي ، فلم علم الصحابة أن فلاناً قتل ،  وفلاناً قتل ، تأسفوا على ذلك ، وقالوا : قتلنا إخواننا ، فأنزل الله تعالى فيهم : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض إلى قوله : وكان الله غفورا رحيما . فليتأمل الناصح لنفسه هذه القصة ، وما أنزل الله فيها من الآيات ، فإن أولئك لو تكلموا بكلام الكفر ، وفعلوا كفراً ظاهراً يرضون به قومهم : لم يتأسف الصحابة على قتلهم ، لأن الله بين لهم -وهم بمكة- لما عذبوا قوله تعالى : من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان . فلو سمعوا عنهم كلاماً أو فعلا يرضون به المشركين من غير إكراه ، ما كانوا يقولون : قتلنا إخواننا .

تفسير قوله تعالى : قالوا فيم كنتم

     ويوضحه قوله تعالى : قالوا فيم كنتم ، ولم يقولوا : كيف عقيدتكم أو كيف فعلكم ؟ بل قالوا : في أي الفريقين كنتم ؟ فاعتذروا بقولهم : كنا مستضعفين في الأرض ، فلم تكذبهم الملائكة في قولهم هذا ، بل قالوا لهم : ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ، ويوضحه قوله : إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا * فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا 

فهذا في غاية الوضوح ، فإذا كان هذا في السابقين الأولين من الصحابة ، فكيف بغيرهم ؟ ولا يفهم هذا إلا من فهم أن أهل الدين اليوم لا يعدونه ذنباً ، فإذا فهمت ما أنزل الله فهماً جيداً ، وفهمت ما عند من يدعي الدين اليوم ، تبين لك أمور : منها : أن الإنسان لا يستغني عن طلب العلم ، فإن هذه وأمثالها لا تعرف إلا بالتنبيه . فإذا كانت قد أشكلت على الصحابة قبل نزول الآية ، فكيف بغيرهم ؟ ومنها : أنك تعرف أن الإيمان ليس كما يظنه غالب الناس اليوم ، بل كما قال الحسن البصري - فيما روى عنه البخاري : ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعم ال . نسأل الله أن يرزقنا علماً نافعاً ، ويعيذنا من علم لا ينفع . قال عمر بن عبد العزيز : يا بني ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ، ولكن الخير : أن تعقل عن الله ثم تطيعه . ولما هاجر المسلمون إلى المدينة ، واجتمع المهاجرون والأنصار : شرع الله لهم الجهاد ، وقبل ذلك نهوا عنه ، وقيل لهم : كفوا أيديكم ، فأنزل الله تعالى : كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ، فبذلوا أنفسهم وأموالهم لله تعالى رضي الله عنهم ، فشكر الله لهم ذلك ، ونصرهم على من عاداهم مع قلتهم وضعفهم ، وكثرة عدوهم وقوته .

حديث السقيفة :

فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم : انحاز هذا الحي من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة . واعتزل علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة . وانحاز بقية المهاجرين إلى أبي بكر [ وانحاز معهم أسيد بن حضير في بني  عبد 

الأشهل ، فأتى آت إلى أبي بكر  وعمر]، فقال : إن هذا الحي من  الأنصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة قد  انحازوا  إليه ، فإن كان لكم بأمر الناس من حاجة ، فأدركوا الناس قبل أن يتفاقم أمرهم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته لم  يفرغ من أمره ، قد أغلق دونه الباب أهله .  فقال عمر لأبي بكر : انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، حتى ننظر ماهم عليه   قال ابن إسحاق : وكان من حديث السقيفة : أن عبد الله بن أبي بكر حدثني عن محمد بن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس ، قال : أخبرني عبد الرحمن بن عوف قال : -وكنت في منزله بمنى أنتظره ، وهو عند عمر في آخر حجة حجها عمر- قال : فرجع عبد الرحمن من عند عمر ، فوجدني بمنزله بمنى أنتظره ، وكنت أقرئه القرآن . [ قال ابن عباس] : فقال لي [ عبد الرحمن بن عوف] : لو ر أيت رجلاً أتى أمير المؤمنين ، فقال : هل لك في فلان ؟ يقول : والله لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً، والله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت . قال : فغضب عمر ، وقال : إني -إن شاء الله- لقائم العشية في الناس ، فمحذرهم من هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم ، قال عبد الرحمن : فقلت : يا أمير المؤمنين ! لا تفعل ، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم ، وإنهم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس . وإني أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطير بها أولئك عنك كل مطير ، ولا يعوها ولا يضعوها على مواضعها . فأمهل ، حتى تقدم المدينة . فإنها دار السنة ، وتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس ، فتقول ما قلت بالمدينة متمكناً ، فيعي أهل الفقه مقالتك ، ويضعوها على مواضعها . فقال عمر : أما والله -إن شاء الله- لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة . قال ابن عباس : فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يوم الجمعة ، عجلت الرواح حين زالت الشمس ، فأجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالساً إلى ركن المنبر ، فجلست حذوه ، تمس ركبتاي ركبتيه ، فلم أنشب أن خرج عمر ، فما رأيته مقبلاً، فقلت لسعيد : ليقولن العشية على هذا المنبر مقالة لم يقل ها منذ استخلف . فأنكر علي سعيد بن زيد ذلك . وقال : وما عسى أن يقول مما لم يقل قبله ؟ فجلس عمر على المنبر . فلما سكت المؤذن ، فقام . فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها ، ولا أدري لعلها بين يدي أجلي ؟ فمن عقلها ووعاها فليأخذ بها حيث انتهت به راحلته . ومن خشي أن لا يعيها ، فلا أحل لأحد أن يكذب علي . إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق ، وأنزل عليه الكتاب ، فكان مما أنزل عليه : آية الرجم ، فقرأناها وعلمناها ووعيناها . ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده . فأخشى -إن طال بالناس زمان- أن يقول قائل : والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله ، فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها الله . وإن الرجم في كتاب الله ، حق على من زنى ، إذا أحصن ، من الرجال والنساء إذا قامت البينة ، أو كان الحبل أو الاعتراف . ثم إنا قد كنا نقرأ فيما نقرأ من الكتاب : لاترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم -أو كفر لكم- أن ترغبوا عن آبائكم ، ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تطروني كما أطري عيسى ابن مريم . فإنما أنا عبد ، فقولوا : عبد الله ورسوله ، ثم إنه قد بل غني أن فلاناً قال : لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلاناً. فلا يغترن امرؤ يقول : إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمت . ألا وإنها والله قد كانت كذلك ، إلا أن الله وقى شرها . وليس فيكم من تنقطع دونه الأعناق إليه مثل أبي بكر ، فمن بايع رجلاً عن غير مشورة المسلمين ، فإنه لا بيعة له هو ، ولا الذي بايعه ، تغرة أن يقتلا . إنه كان من خبرنا -حين توفى الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم- أن الأنصار خالفونا، فاجتمعوا بأشرافهم في سقيفه بني ساعدة. وتخلف عنا علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ، ومن معهما . واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر . فقلت لأبي بكر : انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء الأنصار . فانطلقنا نؤمهم ، حتى لقينا منهم رجلان صالحان ، فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم . وقالا لنا : أين تريدون يا معاشر المهاجرين ؟ قلنا : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار . فقالا : لا عليكم ، ألا تقربوهم يا معشر المهاجرين ، اقضوا أمركم. قال: قلت : والله لنأتينهم. فانطلقنا ، حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة . فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل ، فقلت : من هذا ؟ قالوا : سعد بن عبادة ، قلت : ما له ؟ قالوا : وجع. فلما جلسنا ، تشهد خطيبهم. فأ ثنى على الله عز وجل بما هو له أهل ، ثم قال : أما بعد ، فنحن أنصار الله ، وكتيبة الإسلام ، وأنتم يا معشر المهاجرين ، رهط منا ، وقد دفت دافة من قومكم ، قال: وإذا هم يريدون أن يختارونا من أصلنا ، ويغتصبونا الأمر. فلما سكت أردت أن أتكلم -وقد زورت في نفسي مقالة قد أعجبتني ، أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر. وكنت أداري منه بعض الحد . فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر. فكرهت أن أعصيه . فتكلم -وهو كان أعلم مني وأحكم وأحلم وأوقر- فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهته ، أو أفضل ، حتى سكت . فقال : أما بعد ، فما ذكرتم فيكم من خير ، فأنتم له أهل . ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش . هم أوسط العرب نسباً وداراً . وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ، فبايعوا الآن أيهما شئتم . فأخذ بيدي ، وبيد أبي عبيدة عامر بن الجراح -وهو جالس بيننا- فلم أكره شيئاً مما قال غيرها ، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم ، أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر . قال : فقال قائل من الأنصار : أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ، منا أمير ومنكم أمير ، يا معشر قريش . قال : فكثر اللغط ، و ارتفعت الأصوات، حتى خشينا الاختلاف . فقلت : ابسط يدك يا أبا بكر . فبسطها ، فبايعته . ثم بايعه المهاجرون ، ثم بايعه الأنصار . ونزونا على سعد بن عبادة ، فقال قائل منهم : قتلتم سعد بن عبادة . قال : قتل الله سعد بن عبادة .

بعث أسامة بن زيد إلى البلقاء :

ولما كان يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة . أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالتهيؤ لغزو الروم ، فلما كان من الغد دعا أسامة بن زيد ، وأمره أن يسير إلى موضع مقتل أبيه زيد بن حارثة ، وأن يوطىء الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين ، فتجهز الناس ، وأوعب مع أسامة المهاجرون والأنصار . ثم استبطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس في بعث أسامة -وهو في وجعه- فخرج عاصباً رأسه حتى جلس على المنبر-وكان المنافقون قد قالوا في إمارة أسامة : أمر غلاماً حدثاً على جلة المهاجرين والأنصار . فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً ، وخرج عاصباً رأسه -

وكان قد بدأ به الوجع- فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ؟ ثم قال : أيها الناس، أنفذوا بعث أسامة ، فلئن طعنتم في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه . وأيم الله إن كان لخليقاً للإمارة ، وإن كان أبوه لمن أحب الناس إلي وإن هذا لمن أحب الناس إلي من بعده ، ثم نزل . وانكمش الناس في جهازهم ، فاشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه . وخرج أسامة بجيشه ، فعسكر بالجرف ، وتتام إليه الناس ، فأقاموا لينظروا م ا الله تبارك وتعالى قاض في رسوله صلى الله عليه وسلم 

الدعاء الذي كان يدعو به صلى الله عليه وسلم في الصلاة

     وأكثر الدعاء بالدعاء الذي صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو به في الصلاة ، وهو : اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السموات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم  ونزيد المسألة إيضاحاً ودلائل لشدة الحاجة إليها ، فنقول : ليتفطن العاقل لقصة واحدة منها وهي أن بني حنيفة أشهر أهل الردة، وهم الذين يعرفهم العامة من أهل

 الردة ، وهم عند الناس أقبح أهل الردة ، وأعظمهم كفراً ، وهم -مع هذا- يشهدون : أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ويؤذنون ويصلون ، ومع هذا فإن أكثرهم يظنون أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بذلك ، لأجل الشهود الذين شهدوا مع الرجال . والذي يعرف هذا -ولا يشك فيه- يقول : من قال : لا إله إلا الله فهو المسلم ، ولو لم يكن معه من الإسلام شعرة ، بل قد تركه واستهزأ به متعمداً . فسبحان الله مقلب القلوب كيف يشاء !! كيف يجتمع في قلب من له عقل -ولو كان من أجهل الناس- أنه يعرف أن بني حنيفة كفروا ، مع أن ح الهم ما ذكرنا، وأن البدو إسلام ، ولو تركوا الإسلام كله ، وأنكروه ، واستهزؤوا به على عمد ، لأنهم يقولوا : لا إله إلا الله ، لكن أشهد أن الله على كل شئ قدير ، نسأله أن يثبت قلوبنا على دينه ، ولا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا ، وأن يهب لنا منه رحمة ، إنه هو الوهاب .

موت رسول الله صلى الله عليه وسلم :

قال الزهري : حدثني أنس قال : كان يوم الإثنين الذي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خرج إلى الناس ، وهم يصلون الصبح ، فرفع الستر وفتح الباب . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقام على باب عائشة . فكاد المسلمون يفتتنون في صلاتهم -فرحاً به ، حين رأوه ، وتفرجوا عنه- فأشار إليهم : أن اثبتوا على صلاتكم قال : وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سروراً ، لما رأى من هيأتهم في صلاتهم .

 وما رؤي أحسن منه هيئة تلك الساعة . قال : ثم رجع ، وانصرف الناس ، وهم يرون أنه قد أفرق من وجعه . وخرج أبو بكر إلى أهله بالسنح .  فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الضحى من ذلك اليوم . قال ابن إسحاق : قال الزهري : حدثني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال : لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عمر ، فقال : إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفي ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما مات، ولكنه قد ذهب إلى ربه ، كما ذهب موسى بن عمران فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل مات. ووالله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد حين ، كما رجع موسى ، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنه قد مات . قال : وأقبل أبو بكر ، حتى نزل على باب المسجد . حين بلغه الخبر -وعمر يكلم الناس- فلم يلتفت إلى شئ ، حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى في ناحية البيت ، عليه بردة حبرة . فأقبل حتى كشف عن وجهه . ثم أقبل عليه فقبله . ثم قال : بأبي أنت وأمي ، أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها ، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبداً . ثم رد البرد على وجهه . وخرج -وعمر يكلم الناس- فقال : على رسلك يا عمر ، أنصت ، فأبى إلا أن يتكلم . فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس . فلما سمع الناس كلام أبي بكر أقبلوا عليه ، وتركوا عمر . فحمد الله تعالى ، وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إنه من كان يعبد محمداً ، فإن محمداً قد مات . ومن كان يعبد الله تعالى ، فإن الله حي لا يموت . ثم تلا هذه الآية : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين . قال : فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآ ية نزلت ، حتى تلاها أبو بكر يومئذ ، قال : وأخذها الناس عن أبي بكر ، فإنما هي في أفواههم . قال أبو هريرة : فقال عمر : فو الله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها ، فعثرت حتى وقعت على الأرض ، ما تحملني رجلاي ، وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات .

الدليل الثالث : ما وقع في زمان الخلفاء الراشدين : قصة أصحاب علي بن أبي طالب 

-لما اعتقدوا فيه الألوهية التي تعتقد اليوم في أناس مز أكفر بني آدم وأفسقهم- فدعاهم إلى التوبة فأبوا ، فخد لهم الأخاديد ، وملأها حطباً ، وأضرم فيها النار وقذفهم فيها وهم أحياء . ومعلوم أن الكافر -مثل اليهودي والنصراني- إذا أمر الله بقتله لا يجوز إحراقه بالنار ، فعلم أنهم أغلظ كفراً من اليهود والنصارى . هذا ، وهم يقومون الليل ، ويصومون النهار ، ويقرؤون القرآن ، آخذين له عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما غلوا في علي ذلك الغلو 

أحرقهم بالنار وهم أحياء ، وأجمع الصحابة وأهل العلم كلهم على كفرهم ، فأين هذا ممن يقول في البدو تلك المقالة ، مع اعترافه بالذه القصة وأمثالها ، واعترافه : أن البدو كفروا بالإسلام كله ، إلا أنهم يقولون لا إله إلا الله ؟ واعلم : أن جناية هؤلاء إنما هي على الألوهية ، وما علمنا فيهم جناية على النبوة ، والذين قبلهم جناياتهم على النبوة، وما علمنا لهم جناية على الألوهية ، وهذا مما يبين لك شيئاً من معنى الشهادتين اللتين هما أصل الإسلام .

الدليل الرابع : ما وقع في زمن الصحابة أيضاً 

: وهي قصة المختار بن أبي  عبيد الثقفي ، وهو رجل من التابعين . مصاهر لعبد الله بن عمر رضي الله عنه وعن أبيه، مظهر للصلاح. فظهر في العراق يطلب بدم الحسين وأهل بيته ، فقتل ابن زياد ، ومال إليه من مال ، لطلبه دم أهل البيت ممن ظلمهم ابن زياد ، فاستولوا على العراق ، وأظهر شرائع الإسلام ، ونصب القضاة والأئمة من أصحاب ابن مسعود رضي الله عنه . وكان هو الذي يصلي بالناس الجمعة والجماعة ، لكن في آخر أمره : زعم أنه يوحى إليه ، فسير إليه عبد الله بن الزبير جيشاً ، فهزموا جيشه وقتلوه ، وأمير الجيش مصعب بن الزبير ، وتحته امرأة أبوها أحد الصحابة ، فدعاها مصعب إلى تكفيره فأبت ، فكتب إلى أخيه عبد الله يستفتيه فيها ، فكتب إليه : إن لم تبرأ منه فاقتلها . 

فامتنعت ، فقتلها مصعب . وأجمع العلماء كلهم على كفر المختار -مع إقامته شعائر الإسلام- لما جنى على النبوة . وإذا كان الصحابة قتلوا المرأة التي هي من بنات الصحابة لما امتنعت من تكفيره ، فكيف بمن لم يكفر البدو مع إقراره بحالهم ، فكيف بمن زعم أنهم هم أهل الإسلام ، ومن دعاهم إلى الإسلام هو الكافر ؟ يا ربنا نسألك العف و والعافية .

الدليل الخامس : ما وقع في زمن التابعين 

الدليل السادس : قصة بني عبيد القداح

 : فإنهم ظهروا على رأس المائة الثالثة ، فادعى عبيد الله أنه من آل علي بن أبي طالب ، من ذرية فاطمة، وتزيى بزي أهل الطاعة والجهاد في سبيل الله ، فتبعه أقوام من البربر من أهل المغرب ، وصار له دولة كبيرة في المغرب ولأولاده من بعده ، ثم ملكوا مصر والشام، وأظهروا شرائع الإسلام ، وإقامة الجمعة والجماعة ، ونصبوا القضاة والمفتين ، لكن أظهروا الشرك ومخالفة الشريعة، وظهر منهم ما يدل على نفاقهم وشدة كفرهم ، فأجمع أهل العلم : أنهم كفار وأن دارهم دار حرب ، مع إظهارهم شعائر الإسلام . وفي مصر من العلماء والعباد أناس كثير ، وأكثر أهل مصر لم يدخل معهم فيما أحدثوا من الكفر . 
ومع ذلك : أجمع العلماء على ما ذكرنا ، حتى إن بعض أكابر أهل العلم المعروفين بالصلاح ، قال : لو أن معي عشرة أسهم لرميت بواحد منهم النصارى المحاربين ، ورميت بالتسعة بني عبيد . 

ولما كان زمان السلطان محمود بن زنكي أرسل إليهم جيشاً عظيماً بقيادة صلاح الدين ، فأخذوا مصر من أيديهم ، ولم يتركوا جهادهم بمصر لأجل من فيها من الصالحين .

 فاما فتحها السلطان محمود فرح المسلمون بذلك أشد الفرح ، وصنف ابن الجوزي في ذلك كتابا سماه النصر على مصر . وأكثر العلماء التصنيف والكلام في كفرهم ، مع ما ذكرنا من إظهارهم شرائع الإسلام الظاهرة . فانظر ما بين هذا وبين ديننا الأول أن البدو إسلام ، مع معرفتنا بما هم عليه من البراءة من الإسلام كله ، إلا قول لا إله إلا الله ولا تظن أن أحداً منهم يكفر إلا إن انتقل يهودياً أو نصرانياً . فإن آمنت بما ذكر الله ورسوله ، وبما أجمع عليه العلماء ، وتبرأت من دين آبائك في هذه المسألة ، وقلت : آمنت بالله وبما أنزل الله ، وتبرأت مما خالفه باطناً وظاهراً ، مخلصاً لله الدين في ذلك ، وعلم الله ذلك من قلبك ، فأبشر ، ولكن اسأل الله التثبيت ، واعرف أنه مقلب القلوب .

 وذلك قصة الجعد بن درهم ، وكان من أشهر الناس بالعلم والعبادة ، فلما جحد شيئاً من صفات الله - مع كونها مقالة خفية عند الأكثر- ضحى به خالد بن عبد الله القسري يوم عيد الأضحى ، فقال : أيها الناس ، ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم ، فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ، ولم يكلم موسى تكليماً . ثم نزل فذبحه ، ولم يعلم أن أحداً من العلماء أنكر ذلك عليه ، بل ذكر ابن القيم إجماعهم على استحسانه ، فقال : شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان فإذا كان رجل من أشهر الناس بالعلم والعبادة ، أخذ العلم عن الصحابة ، أجمعوا على استحسان قتله ، فأين هذا من اعتقاد أعداء الله في البدو ؟

الدليل السابع : قصة التتار

 : وذلك : أنهم بعدما فعلوا بالمسلمين ما فعلوا ، وسكنوا بلاد المسلمين ، وعرفوا دين الإسلام ، استحسنوه وأسلموا ، لكن لم يعملوا بما يجب عليهم من شرائعه ، وأظهروا أشياء من الخروج عن الشريعة ، لكنهم كانوا يتلفظون بالشهادتين، ويصلون الصلوات الخمس والجمعة والجماعة ، وليسوا كالبدو ، ومع هذا كفرهم العلماء ، وقاتلوهم وغزوهم ، حتى أزالهم الله عن بلدان المسلمين  وفيما ذكرنا كفاية لمن هداه الله وأما من أراد الله فتنته : فلو تناطحت الجبال بين يديه لم ينفعه ذلك . ولو ذكرنا ما جرى من السلاطين والقضاة ، من قتل من أتى بأمور يكفر بها - ولو كان يظهر شعائر الإسلام - وقامت عليه البينة باستحقاقه للقتل ، مع أن في هؤلاء المقتولين من كان من أعلم الناس ، وأزهدهم وأعبدهم في الظاهر ، مثل الحلاج وأمثاله، ومن هو من الفقهاء المصنفين ، كالفقيه عمارة . فلو ذكرنا قصص هؤلاء لاحتمل مجلدات ، ولا نعرف فيهم رجلاً واحداً بلغ كفره كفر البدو الذين يقول عنهم -من يزعم إسلامهم-: إنه ليس 

معهم من الإسلام شعرة إلا قول لا إله إلا الله، ولكن من يهد الله فهو المهتدي ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً .  والعجب : أن الكتب التي بأيديهم ، والتي يزعمون أنهم يعرفونها ويعملون بها ، فيها مسائل الردة . وتمام العجب : أنهم يعرفون بعض ذلك ويقرون به ، ويقولون : من أنكر البعث كفر ، ومن شك فيه كفر ، ومن سب الشرع كفر ، ومن أنكر فرعاً مجمعاً عليه كفر ، كل هذا يقولونه بألسنتهم . فإذا كان من أنكر الأكل باليمين ، أو أنكر النهي عن إسبال الثياب ، أو أنكر سنة الفجر أو الوتر ، فهو كافر . ويصرحون : أن من أنكر الإسلام كله وكذب به ، واستهزأ بمن صدقه ، فهو أخوك المسلم ، حرام الدم والمال ، ما دام يقول : لا إله إلا الله ثم يكفروننا ، ويستحلون دماءنا وأموالنا ، مع أنا نقول : لا إله إلا الله، فإذا سئلوا عن ذلك ؟ قالوا : من كفر مسلماً فقد كفر . ثم لم يكفهم ذلك حتى أفتوا لمن عاهدنا بعهد الله ورسوله : أن ينقض العهد وله في ذلك ثواب عظيم ، ويفتون من عنده أمانة لنا ، أو مال يتيم : أنه يجوز له أكل أمانتنا ، ولو كانت مال يتيم ، بضاعة عنده أو وديعة ، بل يرسلون الرسائل لدهام بن دواس وأمثاله : إذا حاربوا التوحيد ونصروا عبادة الأصنام ، يقولون : أنت يا فلان قمت مقام الأنبياء . مع إقرارهم أن التوحيد - الذين ندعو إليه ، وكفروا به وصدوا الناس عنه - هو دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وأن الشرك -الذي نهينا الناس عنه، ورغبوهم هم فيه ، وأمروهم بالصبر على آلهتهم- : أنه الشرك الذي نهى عنه الأنبياء ، ولكن هذه من أكبر آيات الله ، فمن لم يفهمها فليبك على نفسه ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

نسب النبي صلى الله عليه وسلم

محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان . إلى هنا معلوم الصحة . وما فوق عدنان مختلف فيه . ولا خلاف أن عدنان من ولد إسماعيل ، واسماعيل هو الذبيح على القول الصواب ، والقول بأنه إسحاق باطل . ولا خلاف أنه صلى الله عليه وسلم ولد بمكة عام الفيل ، وكانت وقعة الفيل تقدمة قدمها الله لنبيه وبيته ، وإلا فأهل الفيل نصارى أهل كتاب ، دينهم خير من دين أهل مكة ، لأنهم عباد أوثان ، فنصرهم الله نصراً لا صنع للبشر فيه ، تقدمة للنبي صلى الله عليه وسلم الذي أخرجته قريش من مكة ، وتعظيماً للبلد الحرام

قصة الفيل 

وكان سبب قصة أصحاب الفيل -على ما ذكر محمد بن إسحاق - أن أبرهة بن الصباح كان عاملاً للنجاشي ملك الحبشة على اليمن ، فرأى الناس يتجهزون أيام الموسم إلى مكة - شرفها الله - فبنى كنيسة بصنعاء ، وكتب إلى النجاشي : إني بنيت لك كنيسة لم يبن مثلها ، ولست منتهياً حتى أصرف إليها حج العرب، فسمع به رجل من بني كنانة ، فدخلها ليلاً ، فلطخ قبلتها بالعذرة ، فقال أبرهة : من الذي اجترأ على هذا ؟ قيل : رجل من أهل ذلك البيت ، سمع بالذي قلت . فحلف أبرهة ليسيرن إلى الكعبة حتى يهدمها ، وكتب إلى النجاشي يخبره بذلك ، فسأله أن يبعث إليه بفيله ، وكان له فيل يقال له : محمود ، لم ير مثله عظماً وجسماً وقوة ، فبعث به إليه ، فخرج أبرهة سائراً إلى مكة ، فسمعت العرب بذلك فأعظموه ، ورأوا جهاده حقاً عليهم . فخرج ملك من ملوك اليمن ، يقال له : ذو نفر ، فقاتله ، فهزمه أبرهة وأخذه أسيراً ، فقال : أيها الملك استبقني خيراً لك .

 فاستحياه وأوثقه . وكان أبرهة رجلاً حليماً ، فسار حتى إذا دنا من بلاد خثعم خرج إليه نفيل بن حبيب الخثعمي ، ومن اجتمع إليه من قبائل العرب ، فقاتلوهم فهزمهم أبرهة ، فأخذ نفيلاً ، فقال له : أيه ا الملك ، إنني دليلك بأرض العرب ، وهاتان يداي على قومي بالسمع والطاعة ، فاستبقني خيراً لك . فاستبقاه ، وخرج معه يدله على الطريق . فلما مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب في رجال من ثقيف ، فقال له : أيها الملك ! نحن عبيدك ، ونحن نبعث معك من يدلك ، فبعثوا معه بأبي رغال مولى لهم ، فخرج حتى إذا كان بالمغمس مات أبو رغال ، وهو الذي يرجم قبره . وبعث أبرهة رجلاً من الحبشة -يقال له : الأسود بن مفصود- على مقدمة خيله وأمر بالغارة على نعم الناس ، فجمع الأسود إليه أموال الحرم ، وأصاب لعبد المطلب مائتي بعير . ثم بعث رجلاً من حمير إلى أهل مكة ، فقال : أبلغ شريفها أنني لم آت لقتال ، بل جئت لأهدم البيت . فانطلق ، فقال لعبد المطلب ذلك . فقال عبد المطلب : ما لنا به يدان ، سنخلي بينه وبين ما جاء له ، فإن هذا بيت الله وبيت خليله إبراهيم ، فإن يمنعه فهو بيته وحرمه ، وإن يخلي بينه وبين ذلك فوالله ما لنا به من قوة . قال : فانطلق معي إلى الملك -وكان ذو نفر صديقاً لعبد المطلب- فأتاه ، فقال : يا ذا نفر ، هل عندك غناء فيما نزل بنا ؟ فقال : ما غناء رجل أسير لا يأمن أن يقتل بكرة أو عشياً ، ولكن سأبعث إلى أنيس سائس الفيل ، فإنه لي صديق ، فأسأله أن يعظم خطرك عند الملك ، فأرسل إليه ، فقال لأبرهة : إن هذا سيد قريش يستأذن عليك، وقد جاء غير ناصب لك ، ولا مخالف لأمرك ، وأنا أحب أن تأذن له . وكان عبد المطلب رجلاً جسيماً وسيماً ، فلما رآه أبرهة أعظمه وأكرمه ، وكره أن يجلس معه على سريره ، وأن يجلس تحته ، فهبط إلى البساط ، فدعاه فأجلسه معه ، فطلب منه أن يرد عليه مائتي البعير التي أصابها من ماله . فقال أبرهة لترجمانه : قل له : إنك كنت أعجبتني حين رأيتك ، ولقد زهدت فيك . قال : لم ؟ قال : جئت إلى بيت -هو دينك ودين آبائك ، وشرفكم وعصمتكم- لأهدمه ، فلم تكلمني فيه ، وتكلمني في مائتي بعير ؟ قال : أنا رب الإبل ، والبيت له رب يمنعه منك. فقال : ما كان ليمنعه مني . قال : فأنت وذاك . فأمر بإبله فردت عليه ، ثم خرج . وأخبر قريشاً الخبر ، وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب ، ويتحرزوا في رؤوس الجبال ، خوفاً عليهم من معرة الجيش ، ففعلوا . وأتى عبد المطلب البيت ، فأخذ بحلقة الباب ، وجعل يقول : يا رب لا أرجو لهم سواكا يا رب فامنع منهمو حماكا إن عدو البيت من عاداكا فامنعهمو أن يخربوا قراكا وقال أيضاً : لا هم إن المرء يمنع رحله وحلاله فامنع حلالك لايغلبـن صليبهــم ومحـــالهم غــــدراً محالــــك جروا جموعهم هم والفيــل كي يسبـوا عيـالك إن كنت تـاركهم وكعبتنا فأمـر مــا بــدا لــك ثم توجه في بعض تلك الوجوه مع قومه ، وأصبح أبرهة بالمغمس قد تهيأ للدخول ، وعبأ جيشه ، وهيأ فيله ، فأقبل نفيل إلى الفيل ، فأخذ بإذنه ، فقال : أبرك محمود فإنك في بلد الله الحرام . فبرك الفيل ، فبعثوه فأبى . فوجهوه إلى اليمن ، فقام يهرول ، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك ، ووجهوه إلى المشرق ففعل ذلك ، فصرفوه إلى الحرم فبرك . وخرج نفيل يشتد حتى صعد الجبل ، فأرسل الله طيراً من قبل البحر ، مع كل طائر ثلاثة أحجار : حجرين في رجليه وحجراً في منقاره ، فلما غشيت القوم أرسلتها عليهم ، فلم تصب تلك الحجارة أحداً إلا هلك ، وليس كل القوم أصابت ، فخرج البقية هاربين يسألون عن نفيل ، ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فماج بعضهم في بعض ، يتساقطون بكل طريق ، ويهلكون على كل منهل . وبعث الله على أبرهة داء في جسده، فجعلت تساقط أنامله ، حتى انتهى إلى صنعاء وهو مثل الفرخ ، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ثم هلك . رجعنا إلى سيرته صلى الله عليه وسلم .


 

وفاة عبد الله والد رسول الله

قد اختلف في وفاة أبيه : هل توفي بعد ولادته أو قبلها ؟ الأكثر : على أنه توفي وهو حمل . ولا خلاف أن أمه ماتت بين مكة والمدينة بالأبواء ، منصرفها من المدينة من زيارة أخواله ، ولم يستكمل إذ ذاك ست سنين . فكفله جده عبد المطلب ، ورق عليه رقة لم يرقها على أولاده ، فكان لا يفارقه ، وما كان أحد من ولده يجلس على فراشه -إجلالاً له- إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقدم مكة قوم من بني مدلج من القافة ، فلما نظروا إليه قالوا لجده : احتفظ به ، فلم نجد قدماً أشبه بالقدم الذي في المقام من قدمه ، فقال لأبي طالب : اسمع ما يقول هؤلاء ، واحتفظ به . وتوفي جده في السنة الثامنة من مولده ، وأوصى به إلى أبي طالب ، وقيل : إنه قال له : أوصيك يا عبد مناف بعدي بمفرد بعـد أبيـه فـرد وكنت كالأم في الوجد تدنيه من أحـشـائها والكـبد فأنت من أرجى بني عندي لرفع ضيم ولشد عضد


 

عبد المطلب جد رسول الله

قال ابن إسحاق : وكان عبد المطلب من سادات قريش ، محافظاً على العهود ، متخلقاً بمكارم الأخلاق ، يحب المساكين ، ويقوم في خدمة الحجيج ، ويطعم في الأزمات ، ويقمع الظالمين ، وكان يطعم حتى الوحوش والطير في رؤوس الجبال ، وكان له أولاد أكبرهم الحارث ، توفي في حياة أبيه ، وأسلم من أولاد الحارث : عبيدة قتل ببدر ، وربيعة ، وأبو سفيان ، وعبد الله . ومنهم : الزبير بن عبد المطلب شقيق عبد الله ، وكان رئيس بني هاشم وبني المطلب في حرب الفجار ، شريفاً شاعراً ، ولم يدرك الإسلام  وأسلم من أولاده . عبد الله واستشهد بأجنادين ، وضباعة ، ومجل ، وصفية ، وعاتكة . وأسلم منهم حمزة بن عبد المطلب ، والعباس . ومنهم : أبو لهب مات عقيب بدر ، وله من الولد : عتيبة الذي دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقتله السبع . وله عتبة ، ومعتب، أسلما يوم الفتح .ومن بناته : البيضاء أم حكيم ، تزوجها كرز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس ، فولدت له عامراً وأروى، فتزوج أروى عفان بن أبي العاص بن أمية، فولدت له عثمان ، ثم خلف عليها عقبة بن أبي 

معيط ، فولدت له الوليد بن عقبة، وعاشت إلى  خلافة ابنها عثمان ، ومنهن : برة بنت عبد المطلب ، أم أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي . ومنهن : عاتكة أم عبد الله بن أبي أمية ، وهي صاحبة المنام قبل يوم بدر ، واختلف في إسلامها . ومنهن : صفية أم الزبير بن العوام ، أسلمت وهاجرت . وأروى أم آل جحش - عبد الله وأبي أحمد ، وعبيد الله وزينب ، وحمنة . وأم عبد المطلب : هي سلمى بنت عمرو بن زيد من بني النجار ، تزوجها أبوه هاشم بن عبد مناف ، فخرج إلى الشام - وهي عند أهلها ، قد حملت بعبد المطلب- فمات بغزة . فرجع أبو رهم بن عبد العزى وأصحابه إلى المدينة بتركته . وولدت امرأته سلمى : عبد المطلب ، وسمته شيبة الحمد ، فاقام في أخواله مكرماً . فبينما هو يناضل الصبيان ، فيقول : أنا ابن هاشم ، سمعه رجل من قريش ، فقال لعمه المطلب : إني مررت بدور بني قيلة ، فرأيت غلاماً يعتزي إلى أخيك ، وما ينبغي ترك مثله في الغربة ، فرحل إلى المدينة في طلبه ، فلما رآه فاضت عيناه ، وضمه إليه ، وأنشد شعراً : عرفت شيبة والنجار قد جعلت أبناءها حوله بالنبل تنتضل عرفت أجــلاده فيـنا وشــيمتـه فـفاض مني عليه وابل هطـل فأردفه على راحلته ، فقال : يا عم ، ذلك إلى الوالدة . فجاء إلى أم ه ، فسألها أن ترسل به معه ، فامتنعت . فقال لها : إنما يمضي إلى ملك أبيه ، وإلى حرم الله . فأذنت له . فقدم به مكة ، فقال الناس : هذا عبد المطلب ، فقال : ويحكم إنما هو ابن أخي هاشم . فأقام عنده حتى ترعرع ، فسلم إليه ملك هاشم من أمر البيت ، والرفادة، والسقاية ، وأمر الحجيج ، وغير ذلك . وكان المطلب شريفاً مطاعاً جواداً ، وكانت قريش تسميه الفياض لسخائه ، وهو الذي عقد الحلف بين قريش وبين النجاشي ، وله من الولد : الحارث ، ومخرمة ، وعباد ، وأنيس ، وأبو عمر ، وأبو رهم ، وغيرهم . ولما مات وثب نوفل بن عبد مناف على أركاح شيبة ، فغصبه إياها ، فسأل رجالاً من قريش النصرة على عمه ، فقالوا : لا ندخل بينك وبين عمك . فكتب إلى أخواله من بني النجار أبياتاً ، منها : يا طــول ليلـي لأحزاني وأشغــالي هل من رسول إلى النجار أخوالي بنـــي عــــدي ودينـــار ومازنـــها ومالك عصمة الحيران عن حـــالي قد كنت فيهم وما أخشى ظلامة ذي ظلم عزيزاً منيــــعاً ناعــم البـــال حتى ارتحلت إلى قومي وأزعجني لــذاك مطلب عمــي بترحـــــالـــي فغاب مطـلـب في قعـر مظــلـمـة ثم انبــرى نوفــل يعـدو على مـــالي لــمــا رأى رجـــلاً غابت عمــومــته وغاب أخـــواـله عنـه بلا والــــي فاستنفروا وامنعـوا ضيم ابن أختكم لا تخـــذلوه فمـــا أنتم بخــذالي فلما وقف خاله أبو سعد بن عدي بن النجار على كتابه بكى ، وسار من المدينة في ثمانين راكباً ، حتى قدم مكة. فنزل بالأبطح، فتلقاه عبد المطلب ، وقال : المنزل يا خال ، فقال : لا والله حتى ألقى نوفلاً ، فقال : تركته بالحجر جالساً في مشايخ قومه ، فأقبل أبو سعد حتى وقف عليهم ، فقام نوفل قائماً ، فقال : يا أبا سعد ، أنعم صباحاً . فقال : لا أنعم الله لك صباحاً ، وسل سيفه ، وقال : ورب هذا البيت ، لئن لم ترد على ابن أختي أركاحه لأمكنن منك هذا السيف . فقال : رددتها عليه . فأشهد عليه مشايخ قريش . ثم نزل على شيبة ، فأقام عنده ثلاثاً ، ثم اعتمر ورجع إلى المدينة ، فقال عبد المطلب : ويأبى مازن وأبـو عدي ودينـــار بن تيــم الله ضيــمــي بهم رد الإله علي ركحي وكانوا في انتساب دون قومي فلما جرى ذلك حالف نوفل بني عبد شمس بن عبد مناف على بني هاشم ، وحالفت بنو هاشم خزاعة على بني عبد شمس ونوفل، فكان ذلك سبباً لفتح مكة ، كما سيأتي . فلما رأت خزاعة نصر بني النجار لعبد المطلب ، قالوا : نحن ولدناه كما ولدتموه ، فنحن أحق بنصره، وذلك أن أم عبد مناف منهم. فدخلوا دار الندوة وتحالفوا وكتبوا بينهم كتاباً .

عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم

وأما عبد الله ، والد النبي صلى الله عليه وسلم : فهو الذبيح . وسبب ذلك : أن عبد المطلب أمر في المنام بحفر زمزم ، ووصف له موضعها . وكانت جرهم قد غلبت آل إسماعيل على مكة ، وملكوها زماناً طويلاً ، ثم أفسدوا في حرم الله . فوقع بينهم وبين خزاعة حرب ، وخزاعة من قبائل اليمن ، من أهل سبأ، ولم يدخل بينهم بنو إسماعيل . فغلبتهم خزاعة ، ونفت جرهماً من مكة ، وكانت جرهم قد دفنت الحجر الأسود ، والمقام وبئر زمزم . وظهر بعد ذلك قصي بن كلاب على مكة ، ورجع إليه ميراث قريش ، فأنزل بعضهم داخل مكة - وهم قريش الأباطح - وبعضهم خارجها - وهم قريش الظواهر - فبقيت زمزم مدفونة إلى عصر عبد المطلب . فرأى في المنام موضعها ، فقام يحفر ، فوجد فيها سيوفاً مدفونة وحلياً، وغزالاً من ذهب مشنفاً بالدر.
 فعلقه عبد المطلب على الكعبة ، وليس مع عبد المطلب إلا ولده الحارث ، فنازعته قريش ، وقالوا له : أشركنا ، فقال : ما أنا بفاعل ، هذا أمر خصصت به ، فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه .

 فنذر حينئذ عبد المطلب : لئن آتاه الله عشرة أولاد ، وبلغوا أن يمنعوه : لينحرن أحدهم عند الكعبة ، فلما تموا عشرة، وعرف أنهم يمنعونه أخبرهم بنذره فأطاعوه . وكتب كل منهم اسمه في قدح ، وأعطوها القداح قيم هبل -وكان الذي يجيل القداح- فخرج القدح على عبد الله ، وأخذ عبد المطلب المدية ليذبحه . فقامت إليه قريش من ناديها فمنعوه . فقال : كيف أصنع بنذري ؟ فأشاروا عليه : أن ينحر مكانه عشراً من الإبل . فأقرع بين عبد الله وبينها ، فوقعت القرعة عليه ، فاغتم عبد المطلب ، ثم لم يزل يزيد عشراً عشراً ، ولا تقع القرعة إلا عليه ، إلى أن بلغ مائة . فوقعت القرعة على الإبل ، فنحرت عنه ، فجرت سنة . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أنا ابن الذبيحين ، يعني : إسماعيل عليه السلام وأباه عبد الله . ثم ترك عبد المطلب الإبل لا يرد عنها إنساناً ولا سبعاً ، فجرت الدية في قريش والعرب مائة من الإبل ، وأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام . وقالت صفية بنت عبد المطلب : نحن حفرنا للحجيج زمزم سقيا الخليل وابنه المكرم جبريـل الذي لـم يذمم شفاء سقم وطعام مطعم


 

أبو طالب عم رسول الله

وأما أبو طالب : فهو الذي تولى تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعد جده كما تقدم ، ورق عليه رقة شديدة ، وكان يقدمه على أولاده . قال الواقدي : قام أبو طالب -من سنة ثمان من مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السنة العاشرة من النبوة ثلا وأربعين- يحوطه ويقوم بأمره ، ويذب عنه ، ويلطف به . وقال أبو محمد بن قدامة : كان يقر بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، وله في ذلك أشعار . منها : ألا أبلغا عني على ذات بيننا لؤياً وخصا من لوي بني كعـب بأنا وجدنا في الكتاب محمداً نبياً كموسى خط في أول الكتب وأن عليه في العباد محبة ولا خير ممن خصه الله بالحـب ومنها : تعلم خيار الناس أن محمداً وزيراً لموسى والمسيح ابن مريم فلا تجعلوا لله نداً وأسلموا فإن طريق الحق ليس بمظلم ولكنه أبى أن يدين بذلك خشية العار ، ولما حضرته الوفاة : دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم -وعنده أبو جهل ، وعبد الله بن 

أبي أمية- فقال : يا عم ! قل : لا إله إلا الله ، كلمة أحاج لك بها عند الله، فقالا له : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل صلى الله عليه وسلم يرددها عليه ، وهما يرددان عليه حتى كان آخر كلمة قالها : هو على ملة عبد المطلب،  فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فأنزل الله تعالى : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ، ونزل قوله تعالى : إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء الآية . قد ابن إسحاق : وقد رثاه ولده علي بأبيات ، منها : أرقت لطير آخر الليل غردا يـذكرني شجـواً عظــيماً مجددا أبا طالب مأوى الصعاليك ذا الندى جواداً إذا ما أصدر الأمر أوردا فأمست قريش يفرحون بمـــوته ولســـت أرى حياً يكون مخلداً أزادوا أموراً زيفتها حلومهم ستوردهم يوماً من الغي موردا يرجـون تكذيب النبي وقتله وأن يفترى قدماً عليه ويجحدا كذبتم وبيت الله حتى نذيقكم صدور العوالي والحسام المهندا خلف أبو طالب أربعة ذكور وابنتين . فالذكور : طالب ، وعقيل ، وجعفر ، وعلي ، وبين كل واحد عشر سنين . فطالب أسنهم ، ثم عقيل ، ثم جعفر ، ثم علي . فأما طالب : فأخرجه المشركون يوم بدر كرهاً ، فلما انهزم الكفار طلب ، فلم يوجد في القتلى ، ولا في الأسرى ، ولا رجع إلى مكة ، وليس له عقب . وأما عقيل : فأسر ذلك اليوم ، ولم يكن له مال . ففداه عمه العباس ، ثم رجع إلى مكة . فأقام بها إلى السنة الثامنة ، ثم هاجر إلى المدينة . فشهد مؤتة مع أخيه جعفر ، وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : وهل ترك لنا عقيل من منزل . واستمرت كفالة أبي طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم - كما ذكرنا - . فلما بلغ اثنتي عشرة سنة -وقيل : تسعاً- خرج به أبو طالب إلى الشام في تجارة ، فرآه بحيرى الراهب ، وأمر عمه أن لا يقدم به الشام ، خوفاً عليه من اليهود ، فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى المدينة . ووقع في الترمذي : إنه بعث معه بلالاً ، وهو غلط واضح . فإن بلالاً إذ ذاك لعله لم يكن موجوداً .

خروجه إلى الشام وزواجه خديجة

فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين سنة : خرج إلى الشام في تجارة لخديجة رضي الله عنها ، ومعه ميسرة غلامها ، فوصل بصرا . ثم رجع فتزوج عقب رجوعه خديجة بنت خويلد . وهي أول امرأة تزوجها ، وأول امرأة ماتت من نسائه ، ولم ينكح عليها غيرها . وأمره جبريل : أن يقرأ عليها السلام من ربها ويبشرها ببيت في الجنة من قصب .

تحنثه في غار حراء

ثم حبب إليه الخلاء ، والتعبد لربه ، فكان يخلو بغار حراء يتعبد فيه . وبغضت إليه الأوثان ودين قومه ، فلم يكن شئ أبغض إليه من ذلك . وأنبته الله نباتاً حسناً ، حتى كان أفضل قومه مروءة ، وأحسنهم خلقاً ، وأعزهم جواراً ، وأعظمهم حلماً ، وأصدقهم حديثاً ، وأحفظهم لأمانة . حتى سماه قومه الأمين لما جمع الله فيه من الأحوال الصالحة ، والخصال الكريمة المرضية .

بناء الكعبة

ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً وثلاثين سنة : قامت قريش في بناء الكعبة حين تضعضعت . قال أهل السير : كان أمر البيت -بعد إسماعيل عليه السلام- إلى ولده . ثم غلبت جرهم عليه ، فلم يزل في أيديهم حتى استحلوا حرمته ، وأكلوا ما يهدى إليه ، وظلموا من دخل مكة ، ثم وليت خزاعة البيت بعدهم ، إلا أنه كان إلى قبائل مضر ثلاث خلال : الإجازة

 بالناس من عرفة يوم الحج إلى مزدلفة ، تجيزهم صوفة . والثانية : الإفاضة من جمع ، غداة النحر إلى  منى . وكان ذلك إلى يزيد بن عدوان ، وكان آخر من ولي ذلك منهم أبو سيارة . والثالثة : إنساء الأشهر الحرم . وكان إلى رجل من بني كنانة يقال له حذيفة ، ثم صار إلى جنادة بن عوف . قال ابن إسحاق : ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً وثلاثين سنة ، جمعت قريش لبنيان الكعبة ، وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها ، ويهابون هدمها ، وإنما كانت رضماً فوق القامة . فأرادوا رفعها وتسقيفها . وذلك أن قوماً سرقوا كنز الكعبة ، وكان في بئر في جوف الكعبة ، وكان البحر قد رمى سفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم ، فتحطمت فأخذوا خشبها فأعدوه لسقفها . وكان بمكة رجل قبطي نجار ، فه يأ لهم بعض ما كان يصلحها ، وكانت حية تخرج على بئر الكعبة التي كان يطرح فيه ما يهدى لها كل يوم ، فتتشرق على جدار الكعبة ، وكانت مما يهابون ، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا أحزألت وكشت وفتحت فاها . فبينما هي ذات يوم تتشرق على جدار الكعبة ، بعث الله إليها طائراً فاختطفها ، فذهب بها . فقالت قريش : إنا لنرجو أن يكون الله قد رضي ما أردنا ، عندنا عامل رفيق ، وعندنا خشب ، وقد كفانا الله الحية . فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنائها . قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ المخزومي فتناول من الكعبة حجراً ، فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه ، فقال : يا معشر قريش ! لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيباً ، لا يدخل فيها مهر بغي ، ولا بيع ربا ، ولا مظلمة أحد من الناس . ثم إن قريشاً تجزأت الكعبة . فكان شق الباب : لبني عبد مناف وزهرة . وما بين الركن الأسود واليماني : لبني مخزوم ، وقبائل من قريش انضافت إليهم . وكان ظهر الكعبة : لبني جمح وبني سهم . وكان شق الحجر : لبني عبد الدار ، ولبني أسد بن عبد العزى ، ولبني عدي ، وهو الحطيم . ثم إن الناس هابوا هدمها ، فقال الوليد بني المغيرة : أنا أبدؤكم في هدمها ، فأخذ المعول ، ثم قام عليها ، وهو يقول : اللهم لا ترع -أو : لم نزغ- اللهم إنا لا نريد إلا الخير . ثم هدم من ناحية الركنين . فترتبص الناس تلك الليلة ، وقالوا : إن أصيب ، لم نهدم منها شيئاً ، ورددناها كما كانت ، وإلا فقد رضي الله ما صنعنا ، فأصبح الوليد من ليلته غادياً على عمله ، فهدم وهدم الناس معه. حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس -أساس إبراهيم عليه السلام- أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنة ، آخذ بعضها بعضاً ، فأدخل بعضهم عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما . فلما تحرك الحجر : انتفضت مكة بأسرها ، فانتهوا عند ذلك الأساس . ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها ، كل قبيلة تجمع على حدة . ثم بنوها ، حتى بلغ البنيان موضع الحجر الأسود . فاختصموا فيه ، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه ، حتى تحاوروا وتحالفوا ، وأعدوا للقتال ، فقربت بنو عبد الدار جفنة ، مملوءة دماً . تعاهدوا -هم وبنو عدي بن كعب- على الموت ، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم . فسموا لعقة الدم ، فمكثت قريش على ذلك أربع ليال ، أو خمساً . ثم إنهم اجتمعوا في المسجد ، فتشاوروا وتناصفوا . فزعم بعض أهل الرواية : أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي -وكان يومئذ أسن قريش كلهم- قال : اجعلوا بينكم أول من يدخل من باب المسجد . ففعلوا ، فكان أول من دخل : رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما رأوه ، قالوا :هذا الأمين ، رضينا به ، هذا محمد ، فلما انتهى إليهم أخبروه الخبر. فقال صلى الله عليه وسلم : هلم إلي ثوباً ، فأتي به . فأخذ الركن فوضعه فيه بيده . ثم قال : لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ، ثم ارفعوا جميعاً ففعلوا، حتى إذا بلغوا به موضعه : وضعه هو بيده صلى الله عليه وسلم ، ثم بنى عليه . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معهم الحجارة . وكانوا يرفعون أزرههم على عواتقهم . ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبط به -أي طاح على وجهه- ونودي : استر عورتك، فما رؤيت له عورة بعد ذلك . فلما بلغوا خمسة عشر ذراعاً سقفوه على ستة أعمدة . وكان البيت يكسى القباطي . ثم كسي البرود . وأول من كساه الديباج : الحجاج بن يوسف . وأخرجت قريش الحجر لقلة نفقتهم ، ورفعوا بابها عن الأرض ، لئلا يدخلها إلا من أرادوا . وكانوا إذا أرادوا أن لا يدخلها أحد لا يريدون دخوله : تركوه حتى يبلغ الباب ، ثم يرمونه . فلما بلغ صلى الله عليه وسلم أربع ين سنة : بعثه الله بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه سراجاً منيراً . 

بعض ما كان عليه أهل الجاهلية

ونذكر قبل ذلك شيئاً من أمور الجاهلية ، وما كانت عليه قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال قتادة : ذكر لنا : أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون . كلهم على الهدى ، وعلى شريعة من الحق ، ثم اختلفوا بعد ذلك . فبعث الله نوحاً عليه السلام . وكان أول رسول إلى أهل الأرض . قال ابن عباس : في قوله تعالى : كان الناس أمة واحدة ، قال : على الإسلام كلهم . وكان أول ما كاد به الشيطان : هو تعظيم الصالحين . وذكر الله ذلك في كتابه في قوله

 : وقالوا  لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا  ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا . قال ابن عباس : كان هؤلاء قوماً صالحين . فلما ماتوا في شهر ، جزع عليهم أقاربهم . فصوروا صورهم . وفي غير حديثه : قال أصحابهم : لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة، قال : فكان الرجل يأتي أخاه وابن عمه فيعظمه ، حتى ذهب ذلك القرن ، ثم جاء قرن آخر ، فعظموهم أشد من الأول ، ثم جاء القرن الثالث ، فقالوا : ما عظم أولونا هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله ، فعبدوهم ، فلما بعث الله إليهم نوحاً -وغرق من غرق- أهبط الماء هذه الأصنام من أرض إلى أرض ، حتى قذفها إلى أرض جدة . فلما نضب الماء بقيت على الشط ، فسفت الريح عليها التراب ، حتى وارتها .


 

عمرو بن لحي أول من غير دين إبراهيم

وكان عمرو بن لحي سيد خزاعة كاهناً وله رئي من الجن فأتاه ، فقال : عجل السير والظعن من تهامة ، بالسعد والسلامة ، ائت جدة ، تجد أصناماً معدة ، فأوردها تهامة ولا تهب ، وادع العرب إلى عبادتها تجب، فأتى جدة فاستشارها ، ثم حملها حتى أوردها تهامة . وحضر الحج ، فدعا العرب إلى عبادتها . فأجابه عوف بن عذرة ، فدفع إليه وداً فحمله . فكان بوادي القرى بدومة الجندل . وسمى ابنه : عبد ود ، فهو أول من سمى به .

 فلم يزل بنوه يسدنونه ، حتى جاء الإسلام . فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد لهدمه ، فحالت بينه وبينه بنو عذرة ، وبنو عامر ، فقاتلهم فقتلهم ، ثم هدمه وجعله جذاذاً . وأجابت عمرو بن لحي مضر بن نزار ، فدفع إلى رجل من هذيل سواعاً ، فكان بأرض يقال لها : وهاط ، من بطن نخلة ، يعبده من يليه من مضر . وفي ذلك قيل : تراهم حول قبلتهم عكوفاً كما عكفت هذيل على سواع وأجابته مذحج . فدفع إلى نعيم بن عمر المرادي يغوث ، وكان بأكمة باليمن تعبده مذحج ومن والاها . وأجابته همدان فدفع إليهم يعوق ، فكان بقرية يقال لها خيوان تعبده همدان ومن والاها من اليمن . وأجابته حمير ، فدفع إليهم نسراً ، فكان بموضع بسبأ، تعبده حمير ومن والاها . فلم تزل هذه الأصنام تعبد حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم فكسرها . وفي الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجز قصبه في النار . فكان أول من سيب السوائب ، وفي لفظ : غير دين إبراهيم ، وفي لفظ عن أبي إسحاق : فكان أول من غير دين إبراهيم ، ونصب الأوثان . وكان أهل الجاهلية على ذلك ، فيهم بقايا من دين إبراهيم ، مثل تعظيم البيت ، والطواف به ، والحج والعمرة ، والوقوف بعرفة ومزدلفة ، وإهداء البدن. وكانت نزار تقول في إهلالها : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك ، إلا شريكاً هو لك ، تملكه وما ملك ، فأنزل الله : ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون .


 

صنم مناة

 ومن أقدم أصنامهم : مناة ، وكان منصوباً على ساحل البحر من ناحية المشلل ، بقديد بين مكة والمدينة . وكانت العرب تعظمه قاطبة ، ولم يكن أحد أشد تعظيماً له من الأوس والخزرج ، وبسبب ذلك أنزل الله تعالى : إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه عنه فدهمها عام الفتح .

صنم اللات

ثم اتخذوا اللات في الطائف ، قيل : إن أصل ذلك رجل كان يلت السويق للحاج ، فمات . فعكفوا على قبره . وكانت صخرة مربعة ، وكان سدنتها ثقيف ، وكانوا قد بنوا عليها بيتاً ، فكان جميع العرب يعظمونها ، وكانت العرب تسمى زيد اللات ، وتيم اللات، وهي في موضع منارة مسجد الطائف . فلما أسلمت ثقيف ، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المغيرة بن شعبة فهدمها ، وحرقها بالنار .

صنم العزى

ثم اتخذوا العزى ، وهي أحدث من اللات ، وكانت بوادي نخلة ، فوق ذات عرق ، وبنوا عليها بيتاً ، وكانوا يسمعون منها الصوت ، وكانت قريش تعظمها . فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، بعث خالد بن الوليد فأتاها فعضدها، وكانت ثلاث سمرات، فلما عضد الثالثة : فإذا هو بحبشية نافشة شعرها ، واضعة يدها على عاتقها ، تضرب بأنيابها ، وخلفها سادنها ، فقال خالد : يا عز كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك ثم ضربها ففلق رأسها ، فإذا هي حممة ، ثم قتل السادن .

صنم هبل

وكانت لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها. وأعظمها : هبل ، وكان من عقيق أحمر على صورة الإنسان ، وكانوا إذا اختصموا، أو أرادوا سفراً : أتوه ، فاستقسموا بالقداح عنده . وهو الذي قال فيه أبو سفيان يوم أحد : اعل هبل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قولوا : الله أعلى وأجل . وكان لهم إساف ونائلة ، قيل أصلهما : أن إسافاً رجل من جرهم ، ونائلة امرأة منهم ، فدخلا البيت ، ففجر بها فيه . فمسخهما الله فيه حجرين ، فأخرجوهما فوضعوهما ليتعظ بهما الناس ، فلما طال الأمد وعبدت الأصنام : عبدا .

أول من آمن :

أنواع الوحي

وكان الوحي الذي يأتيه صلى الله عليه وسلم أنواعاً : أحدها : الرؤيا . قال عبيد بن عمر : رؤيا الأنبياء وحي ، ثم قرأ : إني أرى في المنام أني أذبحك . الثاني : ما كان الملك يلقيه في روعه -أي قلبه - من غير أن يراه ، كما قال صلى الله عليه وسلم : إن روح القدس نفث ، في روعي : أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله ، فإن ما عند الله لا 

ينال إلا بطاعته . الثالث : أن الملك يتمثل له رجلاً فيخاطبه ، وفي هذه المرتبة : كان يراه الصحابة أحياناً   الرابع : أنه كان يأتيه مثل صلصلة الجرس ، وهو أشده عليه . فيلتبس به الملك . حتى إن جبينه ليتفصد عرقاً في اليوم الشديد البرد . وحتى إن راحلته لتبرك به إلى الأرض .  وجاءه مرة وفخذه على فخذ زيد بن ثابت ، فكادت ترض . الخامس : أن يأتيه الملك في الصورة التي خلق عليها . فيوحي إليه ما شاء الله ، وهذا وقع مرتين ، كما ذكر الله سبحانه في سورة النجم . السادس : ما أوحاه الله له فوق السموات ليلة المعراج ، من فرض الصلاة وغيرها . قال ابن القيم رحمه الله : أول ما أوحى إليه ربه : أن يقرأ باسم ربه الذي خلق . وذلك أول نبوته صلى الله عليه وسلم ، فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره بالتبليغ . ثم أنزل الله عليه : يا أيها المدثر * قم فأنذر فنبأه باقرأ، وأرسله : بيا أيها المدثر . ثم أمره : أن ينذر عشيرته الأقربين ، ثم أنذر قومه ، ثم أنذر من حولهم من العرب ، ثم أنذر العرب قاطبة ، ثم أنذر العالمين . فأقام بضع عشرة سنة ينذر بالدعوة من غير قتال ولا جزية . ويأمره الله بالكف والصبر . ثم أذن له في الهجرة ، وأذن له في القتال ، ثم أمره أن يقاتل من قاتله ، ويكف عمن لم يقاتله ، ثم أمره بقتال المشركين ، حتى يكون الدين كله لله .

ولما دعا إلى الله : استجاب له عباد الله من كل قبيلة ، فكان حائز السبق : صديق الأمة أبا بكر رضي الله عنه ، فوازره في دين الله ، ودعا معه إلى الله ، فاستجاب لأبي بكر عثمان وطلحة وسعد رضي الله عنهم . وبادر إلى استجابته أيضاً صديقة النساء خديجة رضي الله عنها . وبادر إلى الإسلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وكان ابن ثمان سنين ، وقيل : أكثر ، إذ كان في كفالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أخذه من عمه .

شأن زيد بن حارثة :

وبادر زيد بن حارثة رضي الله عنه ، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان غلاماً لخديجة ، فوهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوجها ، وقدم أبوه حارثة وعمه في فدائه . فقالا للنبي صلى الله عليه وسلم : يا ابن سيد قومه ، أنتم أهل حرم الله وجيرانه ، تفكون العاني ، وتطعمون الأسير ، جئناك في ابننا عبدك ، فأحسن لنا في فدائه . فقال صلى الله عليه وسلم . فهلا غير ذلك ؟ قالوا : وما هو ؟ قال : أدعوه فأخيره ، فإن اختاركم فهو

 لكم ، وإن اختارني . فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني .  قالوا : قد زدتنا على النصف ، وأحسنت . فدعاه . فقال : هل تعرف هؤلاء ؟ قال : نعم ، أبي وعمي . قال : فأنا من قد علمت . وقد رأيت صحبتي لك ، فاخترني ، أو اخترهما. فقال : ما أنا بالذي أختار عليك أحداً، أنت مني مكان أبي وعمى . فقالا : ويحك يا زيد ! أتختار العبودية على الحرية ، وعلى أبيك وعمك ، وأهل بيتك ؟ قال : نعم ، قد رأيت من هذا الرجل شيئاً ، ما أنا بالذي أختار عليه أحداً أبداً . فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، خرج إلى الحجر ، فقال : أشهدكم أن زيداً ابني ، أرثه ويرثني، فلما رأى ذلك أب وه وعمه طابت نفوسهما ، فانصرفا . ودعي : زيد بن محمد ، حتى جاء الله بالإسلام فنزلت : ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله . قال الزهري : ما علمنا أحداً أسلم قبل زيد . وأسلم ورقة بن نوفل . وفي جامع الترمذي : أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه في المنام في هيئة حسنة . ودخل الناس في دين الله واحداً بعد واحد . وقريش لا تنكر ذلك ، حتى بادأهم بعيب دينهم وسب آلهتهم ، وأنها لا تضر ولا تنفع . فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة . فحمى الله رسوله صلى الله عليه وسلم بعمه أبي طالب . لأنه كان شريفاً معظماً ، وكان من حكمة أحكم الحاكمين : بقاؤه على دين قومه ، لما في ذلك من المصالح التي تبدو لمن تأملها . وأما أصحابه : فمن كان له عشيرة تحميه امتنع بعشيرته ، وسائرهم تصدوا له بالأذى والعذاب . منهم : عمار بن ياسر ، وأمه سمية ، وأهل بيته ، عذبوا في الله . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر بهم -وهم يعذبون- يقول :صبرا يا آل ياسر ! فإن موعدكم الجنة .

سمية أول شهيدة :

أول دم أهريق :

وفي السنة الرابعة : ضرب سعد بن أبي وقاص رجلاً من المشركين فشجه وذلك : أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يجتمعون في الشعاب ، فيصلون فيها ، فرآهم رجل من الكفار ، ومعه جماعة من قريش فسبوهم ، وضرب سعد بن أبي وقاص رجلاً منهم ، فسال دمه ، فكان أول دم أهريق في الإسلام .

ومر أبو جهل بسمية -أم عمار رضي الله عنهما - وهي تعذب ، وزوجها وابنها . فطعنها بحربة في فرجها فقتلها . وكان الصديق إذا مر بأحد من العبيد يعذب اشتراه وأعتقه ، منهم بلال . فإنه عذب في الله أشد العذاب . ومنهم عامر بن فهيرة ، وجارية لبني عدي ، كان عمر يعذبها على الإسلام ، فقال أبو قحافة -عثمان بن عامر- لابنه أبي بكر : يا بني ، أراك تعتق رقاباً ضعافاً . فلو أعتقت قوماً جلداً يمنعونك ؟ فقال : إني أريد ما أريد ، وكان بلال كلما اشتد به العذاب يقول : أحد ، أحد .

ابتداء الدعوة :


وقال الزهري : لما ظهر الإسلام ، أتى جماعة من كفار قريش إلى من آمن من عشائرهم ، فعذبوهم وسجنوهم ، وأرادوا أن يفتنوهم عن دينهم . قال الواقدي : حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رومان وغيرهم . قالوا : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث سنين مستخفياً . ثم أعلن في الرابعة ، فدعا الناس عشر سنين ، يوافي المواسم كل عام ، يتبع الناس في منازلهم . وفي المواسم بعكاظ ، ومجنة ، وذي المجاز يدعوهم أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ، ولهم الجنة . فلا يجد أحداً ينصره ويحميه . حتى ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة ، فيقول : يا أيها الناس ! قولوا : لا إله إلا الله تفلحوا وتملكوا بها العرب ، وتدين لكم بها العجم . فإذا متم كنتم ملوكاً في الجنة ، وأبو لهب وراءه يقول : لا تطيعوه ، فإنه صابىء كذاب . فيردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبح الرد . ويؤذونه ، ويقولون : عشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك . وهو يقول : اللهم لو شئت لم يكونوا هكذا . ولما نزل عليه قوله تعالى : وأنذر عشيرتك الأقربين صعد الصفا فنادى : واصباحاه ، فلما اجتمعوا إليه قال : لو أخبرتكم أن خيل اً تريد أن تخرج عليكم من سفح هذا الجبل ، أكنتم مصدقي ، قالوا : نعم ، ما جربنا عليك كذباً . قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب : تباً لك ، ما جمعتنا إلا لهذا ؟ فأنزل الله قوله تعالى : تبت يدا أبي لهب وتب * ما أغنى عنه ماله وما كسب . قال ابن القيم رحمه الله : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله مستخفياً ثلاث سنين ، ثم نزل عليه : فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين .

الهجرة الأولى إلى الحبشة :

وفي السنة الخامسة : أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى الحبشة لما اشتد عليهم العذاب والأذى ، وقال : إن فيها رجلاً لا يظلم الناس عنده. وكانت الحبشة متجر قريش ، وكان أهل هذه الهجرة الأولى : اثني عشر رجلاً وأربع نسوة . وكان أول من هاجر إليها : عثمان بن عفان رضي الله عنه ، ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وستر قوم إسلامهم . وممن خرج : الزبير وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وأبو سلمة وامرأته رضي الله عنهم .

 خرجوا متسللين سراً ، فوفق الله لهم ساعة وصولهم إلى الساحل سفينتين للتجار ، فحملوهم إلى الحبشة ، وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر ، فلم يدركوا منهم أحداً . وكان خروجهم في رجب . فأقاموا بالحبشة شعبان ورمضان ، ثم رجعوا إلى مكة في شوال ، لما بلغهم : أن قريشاً صافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفوا عنه . وكان سبب ذلك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم ، فلما بلغ : أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى ألقى الشيطان على لسانه : تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى، فقال المشركون : ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم . ولقد علمنا أن الله يخلق ويرزق ويحيي ويميت ولكن آلهتنا تشفع عنده . فلما بلغ السجدة سجد ، وسجد معه المسلمون والمشركون كلهم ، إلا شيخاً من قريش ، رفع إلى جبهته كفاً من حصى فسجد عليه ، وقال : يكفيني هذا ، فحزن النبي صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً ، وخاف من الله خوفاً عظيماً ، فأنزل الله : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته الآيات . ولما استمر النبي صلى الله عليه وسلم على سب آلهتهم ، عادوا إلى شر مما كانوا عليه ، وازدادوا شدة على من أسلم .

استهزاء المشركين :

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلس وحوله المستضعفون من أصحابه -مثل عمار بن ياسر ، وخباب بن الأرت ، وصهيب الرومي ، وبلال ، وأشباههم - فإذا مرت بهم قريش استهزؤوا بهم ، وقالوا : أهؤلاء -جلساؤه- قد من الله عليهم من بيننا ؟ فأنزل الله : أليس الله بأعلم بالشاكرين . وفيهم نزل : والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون . وقال أبو جهل : والله لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على رقبته 

. فبلغه أن رسول الله يصلي ، فأتاه .  فقال : ألم أنهك عن الصلاة ؟ فانتهره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : أتنتهرني ، وأنا أعز أهل البطحاء ؟ فنزل قوله تعالى : أرأيت الذي ينهى * عبدا إذا صلى ، وفي بعض الروايات ، أنه قال : ألم أنهك ؟ فوالله ما في مكة أعز من نادي . وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال : قال أبو جهل : هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم ؟ فقيل : نعم ، فقال : واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته . فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ، وزعم ليطأن رقبته ، فما فجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه . وقال : بيني وبينه خندق من نار وهولاً وأجنحة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً، فأنزل الله تعالى -لا ندري في حديث أبي هريرة أو شئ بلغه-: كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى * .. .

كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي يزوجه أم حبيبة :

فلما كان شهر ربيع سنة سبع من الهجرة : كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام ، وكتب إليه : أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان ، وكانت مهاجرة مع زوجها عبيد الله بن جحش ، فتنصر هناك ومات نصرانياً . وكتب إليه أيضاً : أن يبعث إليه من بقي من أصحابه ، فلما قرأ الكتاب أسلم . وقال : لو قدرت أن آتيه لأتيته . وزوجه أم حبيبة ، وأصدقها عنه أربعمائة دينار . وحمل بقية أصحابه في سفينتين . فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر ، وقد فتحها 


 

الهجرة الثانية إلى الحبشة :

 

---

CN15.jpg (112244 bytes)

فلما قرب مهاجرة الحبشة من مكة ، وبلغهم أمرهم ، توقفوا عن الدخول . ثم دخل كل رجل في جوار رجل من قريش . ثم اشتد عليهم البلاء والعذاب من قريش وسطت بهم عشائرهم ، وصعب عليهم ما بلغهم عن النجاشي من حسن جواره ، فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى الحبشة مرة ثانية ، فخرجوا . وكان عدة من خرج في المرة الثانية : ثلاثة وثمانين رجلاً -إن كان فيهم عمار بن ياسر- ومن النساء تسع عشرة امرأة . فلما سمعوا بمهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة : رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلاً ، ومن النساء ثمان . ومات منهم رجلان بمكة ، وحبس سبعة ، وشهد بدراً منهم أربعة وعشرون رجلاً 

بعث قريش إلى النجاشي تطلب إرجاع المسلمين :

ولما كان بعد بدر : اجتمعت قريش في دار الندوة . وقالوا : إن لنا في الذين عند النجاشي ثأراً ، فاجمعوا مالاً ، وأهدوه إلى النجاشي ، لعله يدفع إليكم من عنده ولننتدب لذلك رجلين من أهل رأيكم . فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد مع الهدية ، فركبا البحر ، فلما دخلا على النجاشي سجدا له وسلما عليه . وقالا : قومنا لك

 ناصحون . وإنهم بعثونا إليك لنحذرك هؤلاء  الذين قدموا عليك لأنهم قوم اتبعوا رجلاً كذاباً ، خرج فينا يزعم أنه رسول الله ، ولم يتبعه إلا السفهاء فضيقنا عليهم ، وألجأناهم إلى شعب بأرضنا ، لا يخرج منهم أحد ولا يدخل عليهم أحد   فقتلهم الجوع والعطش ، فلما اشتد عليهم الأمر ، بعث إليك ابن عمه ليفسد عليك دينك وملكك ، فاحذرهم ، وادفعهم إلينا لنكفيكهم ، وآية ذلك : أنهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك ، ولا يحيونك بالتحية التي تحيى بها ، رغبة عن دينك . فدعاهم النجاشي ، فلما حضروا ، صاح جعفر بن أبي طالب بالباب : يستأذن عليك حزب الله، فقال النجاشي : مروا هذا الصائح فليعد كلامه ، ففعل . قال : نعم . فليدخلوا بإذن الله وذمته . فدخلوا ولم يسجدوا له ، فقال : ما منعكم أن تسجدوا لي ؟ قالوا : إنما نسجد لله الذي خلقك وملكك ، وإنما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان ، فبعث الله فينا نبياً صادقاً ، وأمرنا بالتحية التي رضيها الله ، وهي السلام ، تحية أهل الجنة . فعرف النجاشي أن ذلك حق ، وأنه في التوراة والإنجيل . فقال : أيكم الهاتف يستأذن ؟ فقال جعفر : أنا ، قال : فتكلم . فقال : إنك ملك لا يصلح عندك كثرة الكلام ولا الظلم . وأنا أحب أن أجيب عن أصحابي . فأمر هذين الرجلين فليتكلم أحدهما ، فتسمع محاورتنا . فقال عمرو لجعفر : تكلم . فقال جعفر للنجاشي : سله ، أعبيد نحن أم أحرار ؟ فإن كنا عبيداً أبقنا من أربابنا فارددنا إليهم . فقال عمرو : بل أحرار كرام . فقال : هل أهرقنا دماً بغير حق فيقتص منا ؟ قال عمرو : ولا قطرة . فقال : هل أخذنا أموال الناس بغير حق ، فعلينا قضاؤها ؟ فقال عمرو : ولا قيراط . فقال النجاشي : فما تطلبون منهم ؟ قال : كنا نحن وهم على أمر واحد ، على دين آبائنا ، فتركوا ذلك واتبعوا غيره . فقال النجاشي : ما هذا الذي كنتم عليه ، وما الذي اتبعتموه ؟ قل واصدقني . فقال جعفر : أما الذي كنا عليه فتركناه ، وهو دين الشيطان ، كنا نكفر بالله ، ونعبد الحجارة . وأما الذي تحولنا إليه : فدين الله الإسلام ، جاءنا به من الله رسول وكتاب مثل كتاب ابن مريم موافقاً له . فقال : تكلمت بأمر عظيم ، فعلى رسلك . ثم أمر بضرب الناقوس ، فاجتمع إليه كل قسيس وراهب ، فقال لهم : أنشدكم الله الذي أنزل الإنجيل على عيسى ، هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبياً ؟ قالوا : اللهم نعم ، قد بشرنا به عيسى ، وقال : من آمن به فقد آمن بي ، ومن كفر به فقد كفر بي . فقال النجاشي لجعفر رضي الله عنه : ماذا يقول لكم هذا الرجل ؟ وما يأمركم به ؟ وما ينهاكم عنه ؟ فقال : يقرأ علينا كتاب الله ، ويأمرنا بالمعروف ، وينهانا عن المنكر ، ويأمرنا بحسن الجوار ، وصلة الرحم ، وبر اليتيم ، ويأمرنا بأن نعبد الله وحده لا شريك له . فقال : اقرأ مما يقرأ عليكم . فقرأ سورتي العنكبوت والروم . ففاضت عينا النجاشي من الدمع ، وقال: زدنا من هذا الحديث الطيب، فقرأ عليهم سورة الكهف . فأراد عمرو أن يغضب النجاشي ، فقال : إنهم يشتمون عيسى وأمه . فقال : ما تقولون في عيسى وأمه ؟ فقرأ عليهم سورة مريم ، فلما أتى على ذكر عيسى وأمه رفع النجاشي بقشة من سواكه قدر ما يقذي العين . فقال : والله ما زاد المسيح على ما تقولون نقيراً . وفيه نزل قول الله تعالى : وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين * وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق الآيات . فأقبل النجاشي على جعفر ، ثم قال . اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي -والسيوم الآمنون- من سبكم غرم ، فلا هوادة اليوم على حزب إبراهيم .

مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم :

قال ابن إسحاق : حدثت عن أسامة ، قال : لما ثقل برسول الله صلى الله عليه وسلم ، هبطت وهبط الناس معي إلى المدينة ، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أصمت ، فلا يتكلم . وجعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها علي ، أعرف أنه يدعو لي . قال ابن إسحاق : وحدث عن أبي مويهبة ! مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل ، فقال : يا أبا مويهبة ! قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع ، فانطلق معي . فانطلقت معه ، فلما وقف عليهم ، قال : السلام عليكم 

 يا أهل المقابر ! ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه . أقبلت الفتن مثل قطع الليل المظلم ، يتبع آخرها أولها ، الآخرة شر من الأولى . ثم أقبل علي ، فقال : إني قد أعطيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها [ ثم الجنة]، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة . فقلت : بأبي أنت وأمي ، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ، ثم الجنة قال : لا والله ، يا أبا مويهبة! قد اخترت لقاء ربي والجنة . ثم استغفر لأهل البقيع ، ثم انصرف. فبدأ به وجعه ، فلما استعز به ، دعا نساءه فاستأذنهن : أن يمر ض في بيت عائشة رضي الله عنها ، فأذن له . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إن الله خير عبداً بين الدنيا وبين ما عنده ، فاختار ذلك العبد ما عند الله، فبكى أبو بكر ، فتعجبنا لبكائه : أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خير ! فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير . وكان أبو بكر أعلمنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من أمن الناس علي في صحبته وماله : أبو بكر ، ولو كنت متخذاً خليلاً -غير ربي- لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام ومودته . لا يبقين في المسجد باب إلا سد ، إلا باب أبي بكر . وفي الصحيح : أن ابن عباس وأبا بكر مرا بمجلس للأنصار ، وهم يبكون. فقالا: ما يبكيكم ؟ قالوا : ذكرنا مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم منا ، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك ، فخرج ، وقد عصب على رأسه بحاشية برد . فصعد المنبر -ولم يصعده بعد ذلك اليوم- فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أوصيكم بالأنصار خيراً ، فإنهم كرشي وعيبتي وقد قضوا الذي عليهم ، وبقي الذي لهم . فاقبلوا من محسنهم ، وتجاوزوا عن مسيئهم ، وفي الصحيح عن أبي موسى الأشعري قال : اشتد مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : مروا أبا بكر ، فليصل بالناس. قالت عائشة : يا رسول الله ! إنه رجل رقيق ، إذا قام مقامك لا يسمع الناس ، فلو أمرت عمر ؟ قال : مروا أبا بكر فليصل بالناس ، فعادت . فقال : مروا أبا بكر فليصل بالناس ، فإنكن صواحب يوسف ، فأتاه الرسول . فصلى بالناس في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت : ووالله ما أقول إلا أني أحب أن يصرف ذلك عن أبي بكر ، وعرفت أن الناس لا يحبون رجلاً قام مقامه أبداً ، وأن الناس سيتشاءمون به في كل حدث كان . فكنت أحب أن يصرف ذلك عن أبي بكر .

إسلام حمزة بن عبد المطلب :

وفي السنة السادسة : أسلم حمزة بن عبد المطلب وعمر . قال ابن إسحاق : مر أبو جهل برسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفا ، فآذاه ونال منه . ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت . فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل المسجد ، وكانت مولاة لعبد الله بن جدعان في مسكن لها على الصفا ، تسمع ما يقول أبو جهل . 

وأقبل حمزة من القنص متوشحاً قوسه -وكان يسمى أعز قريش- فأخبرته مولاة ابن جدعان بما سمعت من أبي جهل ، فغضب . ودخل المسجد -وأبو جهل جالس في نادي قومه- فقال له حمزة : يا مصفر استه ! تشتم ابن أخي وأنا على دينه ؟ ثم ضربه بالقوس فشجه شجة موضحة ، فثار رجل من بني مخزوم ، وثار بنو هاشم ، فقال أبو جهل : دعوا أبا عمارة ، فإني سببت ابن أخيه سباً قبيحاً . فعلمت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عز فكفوا عنه بعدما كانوا ينالون منه .

موت النجاشي :

ولما مات النجاشي ، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى عليه كما يصلي على الجنائز . فقال المنافقون : يصلي على علج مات بأرض الحبشة ، فأنزل الله تعالى : وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله الآية . وقيل : إن إرسال قريش في طلبهم كان قبل الهجرة إلى المدينة ، وفي سنة خمس من النبوة استتر رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم ابن أبي الأرقم .

حماية أبي طالب لرسول الله :

ولما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزايد أمره ويقوى ، ورأوا ما صنع أبو طالب به. مشوا إليه بعمارة بن الوليد، فقالوا : يا أبا طالب ، هذا أنهد فتى في قريش وأجمله ، فخذه وادفع إلينا هذا الذي خالف دينك ودين آبائك فنقتله ، فإنما هو رجل برجل . فقال : بئسما تسومونني ، تعطوني ابنكم أربيه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه ؟ فقال المطعم بن عدي بن نوفل : يا أبا طالب ! قد أنصفك قومك ، وجهدوا على التخلص منك بكل طريق .

 قال : والله ما أنصفتموني ، ولكن أجمعت على خذلاني، فاصنع ما بدا لك . وقال أشراف مكة لأبي طالب : إما أن تخلي بيننا وبينه فنكفيكه ، فإنك على مثل ما نحن عليه ، أو أجمع لحربنا ، فإنا لسنا بتاركي ابن أخيك على هذا ، حتى نهلكه أو يكف عنا . فقد طلبنا التخلص من حربك بكل ما نظن أنه يخلص . فبعث أبو طالب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له : يا ابن أخي ! إن قومك جاؤوني وقالوا : كذا وكذا ، فأبق علي وعلى نفسك ، ولا تحملني ما لا أطيق أنا ولا أنت ، فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك . فقال صلى الله عليه وسلم : والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ، ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله ، أو أهلك في طلبه، فقال: امض على أمرك، فوالله لا أسلمك أبداً . ودعا أبو طالب أقاربه إلى نصرته فأجابه بنو هاشم وبنو المطلب غير أبي لهب ، وقال أبو طالب : والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وابشر وقر بذاك منك عيونا ودعوتني وعرفت أنك ناصحي ولقد صدقت وكنت ثم أمينا وعرضت ديناً قد عرفت بأنه من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا

إسلام عمر رضي الله عنه :

و عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك إما عمر بن الخطاب ، أو أبي جهل بن هشام، فكان أحبهما إلى الله : عمر رضي الله عنه . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه قال لعمر رضي الله عنه : لم سميت الفاروق ؟ فقال : أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام، ثم شرح الله صدري للإسلام ، وأول شئ سمعته من القرآن ووقر في صدري : الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى ، فما في الأرض نسمة أحب إلي من نسمة رسول 

الله صلى الله عليه وسلم ، فسألت عنه ؟ فقيل لي : هو في دار الأرقم ، فأتيت الدار - وحمزة في أصحابه جلوساً في الدار ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت - فضربت الباب ، فاستجمع القوم ، فقال لهم حمزه : ما لكم ؟ فقالوا : عمر . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بمجامع ثيابي ، ثم نترني نترة لم أتمالك أن وقعت على ركبتي ، فقال : ما أنت بمنته يا عمر !؟ فقلت : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله . فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد ، فقلت : يا رسول الله ! ألسنا على الحق ، إن متنا أو حيينا ؟ قال : بلى ، فقلت : ففيم الاختفاء؟ وا لذي بعثك بالحق لنخرجن ، فخرجنا في صفين : حمزة في صف ، وأنا في صف -له كديد ككديد الطحن- حتى دخلنا المسجد ، فلما نظرت إلينا قريش أصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها قط. فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم : الفاروق . وقال صهيب : لما أسلم عمر رضي الله عنه جلسنا حول البيت حلقاً ، فطفنا واستنصفنا ممن غلظ علينا .

نقض الصحيفة :

ثم بعد ذلك مشى هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي ، وكان يصل بني هاشم في الشعب خفية بالليل بالطعام -مشى إلى زهير بن أبي أمية المخزومي- وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب - وقال : يا زهير ، أرضيت أن تأكل الطعام وتشرب الشراب،وأخوالك بحيث تعلم ؟ فقال : ويحك ! فما أصنع وأنا رجل واحد ؟ أما والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها. قال : أنا، قال :

 ابغنا ثالثاً . قال : أبو البختري  بن هشام ، قال : ابغنا رابعاً . قال : زمعة بن الأسود . قال :  ابغنا خامساً ، قال : المطعم بن عدي . قال : فاجتمعوا عند الحجون ، وتعاقدوا على القيام بنقض الصحيفة .  فقال زهير : أنا أبدأ بها ، فجاؤوا إلى الكعبة -وقريش محدقة بها- فنادى زهير : يا أهل مكة ! إنا نأكل الطعام ، ونشرب الشراب ، ونلبس الثياب ، وبنو هاشم هلكى ، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة . فقال أبو جهل : كذبت ، والله لا تشق . فقال زمعة : أنت والله أكذب ما رضينا كتابتها حين كتبت . وقال أبو البختري : صدق زمعة ، لا نرضى ما كتب فيها ولا نقار عليه . فقال المطعم بن عدي : صدقتما ، وكذب من قال غير ذلك . نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها . وقال هشام بن عمرو : نحو ذلك . فقال أبو جهل : هذا أمر قد قضي بليل ، تشوور فيه بغير هذا المكان . وبعث الله على صحيفتهم الأرضة ، فلم تترك اسماً لله إلا لحسته ، وبقي ما فيها من شرك وظلم وقطيعة . وأطلع الله رسوله على الذي صنع بصحيفتهم ، فذكر ذلك لعمه ، فقال : لا والثواقب ما كذبتني . فانطلق يمشي بعصابة من بني عبد المطلب ، حتى أتى المسجد وهو حافل من قريش . فلما رأوهم ظنوا أنهم خرجوا من شدة الحصار ، وأتوا ليعطوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتكلم أبو طالب ، فقال : قد حدث أمر ، لعله أن يكون بيننا وبينكم صلحاً ، فائتوا بصحيفتكم -وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا فيها قبل أن يأتوا بها ، فلا يأتون بها- فأتوا بها معجبين . لايشكون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدفوع إليهم ، قالوا : قد آن لكم أن تفيئوا وترجعوا خطراً لهلكة قومكم . فقال أبو طالب : لأعطينكم أمراً فيه نصف ، إن ابني أخبرني -ولم يكذبني- أن الله عز وجل بريء من هذه الصحيفة التي في أيديكم ، وأنه محا كل اسم له فيها ، وترك فيها غدركم ، وقطيعتكم ، فإن كان ما قال حقاً ، فوالله لا نسلمه إليكم حتى نموت عن آخرنا ، وإن كان الذي يقول باطلاً ، دفعنا ه إليكم فقتلتموه أو استحييتموه . قالوا : قد رضينا ، ففتحوا الصحيفة فوجدوها كما أخبر ، فقالوا : هذا سحر من صاحبكم ، فارتكسوا وعادوا إلى شر ما هم عليه . فتكلم عند ذلك النفر الذين تعاقدوا -كما تقدم - وقال أبو طالب شعراً يمدح النفر الذين تعاقدوا على نقض الصحيفة ، ويمدح النجاشي ، ومنه : جزى الله رهطاً بالحجون تتابعوا على ملأ يهدي لحزم ويرشد أعان عليها كل صقـر كأنه إذا ما مشى في رفرف الذرع أحرد قعوداً لدى جنب الحجون كأنهم مقاولة بل هم أعـز وأمجـد وأسلم هشام بن عمرو يوم الفتح . وخرج بنو هاشم من شعبهم وخالطوا الناس ، وكان خروجهم في سنة عشر من النبوة ، ومات أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر .

حصار بني هاشم في الشعب :

ولما اجتمعوا - مؤمنهم وكافرهم - على منع رسول الله صلى الله عليه وسلم : اجتمعت قريش ، فأجمعوا أمرهم على أن لا يجالسوهم ، ولا يبايعوهم ، ولا يدخلوا بيوتهم ، حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل . وكتبوا بذلك صحيفة فيها عهود ومواثيق : أن لا يقبلوا من بني هاشم صلحاً أبداً ، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل، فأمرهم أبو طالب أن يدخلوا شعبه فلبثوا فيه ثلاث سنين .

 واشتد عليهم البلاء ، وقطعوا عنهم الأسواق ، فلا يتركون طعاماً يدخل مكة ، ولا بيعاً إلا بادروا فاشتروه ، ومنعوه أن يصل شئ منه إلى بني هاشم ، حتى كان يسمع أصوات نسائهم يتضاغون من وراء الشعب من الجوع . واشتدوا على من أسلم ممن لم يدخل الشعب ، فأوثقوهم ، وعظمت الفتنة وزلزلوا زلزالاً شديداً ، وكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم . أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضطجع على فراشه ، حتى يرى ذلك من أراد اغتياله ، فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو إخوانه أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمره أن يأتي أحد فرشهم . في ذلك عمل أبو طالب قصيدته اللامية المشهورة التي قال فيها : ولما رأ يت القوم لا ود فيهمو وقد قطعوا كل العرى والوسائل وقد صارحونا بالعداوة والأذى وقد طاوعوا أمر العدو المزايـل صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة وأبيض عضب من تراث المقاول وأحضرت عند البيت رهطي وأسرتي وأمسكت من أثوابه بالوصائل أعوذ برب الناس من كل طاعن علينا بسوء أو ملح بباطل ومـن كاشح يسعى لنا بمغيظة ومن ملحق في الدين ما لم نحاول وثور ومن أرسى ثبيراً مكانه وراق ليرقى فـي حراء ونازل وبالبيت-حق البيت-من بطن مكة وبالله إن الله ليس بغافل وبالحجر المسود إذ يمسحونه إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل وموطىء إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافياً غير ناعل وأشواط بين المروتين إلى الصفا وما فيهما من صورة وتماثل ومن حج بيت الله مـن كل راكب ومن كل ذي نذر ومن كل راجل وليلة جمع والمنازل من منى وهل فوقها من حرمة ومنازل؟ فهل بعد هـذا من معاذ لعائذ وهل من معيذ يتقي الله عاذل؟ كذبتم وبيت الله نترك مكة ونظعن إلا أمركم في بلابل كذبتم وب يت الله نبزى محمداً ولما نطاعن دونه ونناضل؟ ونسلمه حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل وينهض قوم في الحديد إليكمو نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل * * * وإنا لعمر الله إن جد ما أرى لتلتبسن أسيافنا بالأماثل بكفي فتى مثل الشهاب سميدع أخي ثقة حامي الحقيقة باسـل وما ترك قـوم-لا أبا لك-سيداً يحوط الذمار غير ذرب مواكل وأبيض يستسقى الغمائم بوجهه ربيع اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في رحمة وفواضل * * * فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح حسود كذوب مبغض ذي دغائل ومر أبو سفيان عني معرضاً كما مر قيل من عظام المقاول يفر إلى نجد وبرد مياهه ويزعم أني لست عنك بغافل أمطعم لم أخذلك في يوم نجدة ولا معظم عند الأمور الجلائل أمطعم . إن القوم ساموك خطة وإني متى أوكل فلست بآكلي جزى الله عنا عبد شمس ونوفلاً عقوبة شر عاجلاً غير آجل فعبد مناف أنتمو خير قومكم فلا تشركوا في أمركم كل واغل وكنتم حديثاً حطـــب قدر فأنتمو الآن حطاب أقدر ومراجل فكل صديق وابن أخت نعده لعمري وجدنا غبه غير طائل سوى أن رهطاً من كلاب بن مرة براء إلينا من معقة خاذل * * * ونعم ابن أخت القوم غير مكذب زهير حساماً مفرداً من حمائـل لعمري لقد كلفت وجداً بأحمد وإخوته دأب المحب المواصل فمن مثله في الناس أي مؤمل إذا قاسه الحكام عند التفاضل؟ حليم رشيد عادل غير طائش يوالي إلهاً ليس عنه بغافل والله لولا أن أجيء بسبة تجر على أشياخنا في المحافل لكنا اتبعناه على كل حالة من الدهر جداً غير قول التهازل لقد علموا أن ابننا لا مكذب لدينا ولا يعنى بقـول الأباطـل حدبت بنفسي دونه وحميته ودافعت عنه بالذرى والكلاكل

سؤالهم عن الروح وأهل الكهف :

وكانوا يرسلون إلى أهل الكتاب يسألونهم عن أمره ؟ قال ابن إسحاق عن ابن عباس : بعثت قريش النضر بن الحارث ، وعقبة بن أبي معيط ، إلى أحبار اليهود بالمدينة ، فقالوا لهما: سلاهم عن محمد ، وصفا لهم صفته ، فإنهم أهل الكتاب . وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء . فخرجا حتى قدما المدينة ، فسألاهم عنه ؟ ووصفا لهم أمره . فقالت لهم أحبار اليهود : سلوه عن ثلاث ، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل ، وإلا فهو رجل متقول : سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول : ما كان أمرهم ؟ فإنه قد كان لهم حديث عجيب 

 وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، فما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الروح ما هي ؟ فأقبلا حتى قدما مكة ، فقالوا : قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد . قد أخبرنا أحبار يهود : أن نسأله عن أشياء أمرونا بها . فجاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألوه عما أخبرهم أحبار يهود ، فجاءه جبريل بسورة الكهف فيها خبر ما سألوه عنه ، من أمر الفتية ، والرجل الطواف ، وجاءه بقوله : ويسألونك عن الروح الآية . قال ابن إسحاق : فافتتح السورة بحمده وذكر نبوة رسوله لما أنكروا عليه من ذلك ، فقال : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ، يعني : أنك رسول مني ، أي تحقيق ما سألوا عنه ، من نبوتك ولم يجعل له عوجا ، أي : أنزله معتدلاً . لا خلاف فيه -وذكر تفسير السورة- أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ، أي : ما رأوا من قدرتي في أمر الخلائق ، وفيما وضعت على العباد من حججي ما هو أعظم من ذلك وأعجب . وعن ابن عباس : الذي آتيتك من الكتاب والسنة أعظم من شأن أصحاب الكهف . قال ابن عباس : والأمر على ما ذكروا ، فإن مكثهم نياماً ثلاثمائة سنة : آية دالة على قدرة الله ومشيئته ، وهي أية دالة على معاد الأبدان ، كما قال تعالى : وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها ، وكان الناس قد تنازعوا في زمانهم ، هل تعاد الأرواح وحدها ؟ أم الأرواح والأبدان ؟ فجعلهم الله آية دالة على معاد الأبدان ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقصتهم من غير أن يعلمه بشر ، آية دالة على نبوته . فكانت قصتهم آية دالة على الأصول الثلاثة : الإيمان بالله ، ورسوله ، واليوم الآخر ، ومع هذا : فمن آيات الله ما هو أعجب من ذلك . وقد ذكر الله سبحانه وتعالى سؤالهم عن هذه الآيات التي سألوه عنها ليعلموا : هل هو نبي صادق ، أو كاذب ؟ فقال : ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا ، وقوله : لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين إلى قوله : إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون . والقرآن مملوء من إخباره بالغيب الماضي ، الذي لا يعلمه أحد من البشر ، إلا من جهة الأنبياء ، لا من جهة الأولياء ، ولا من جهة غيرهم ، وقد عرفوا أنه صلى الله عليه وسلم لا يتعلم هذا من بشر ، ففيه آية وبرهان قاطع على صدقه ونبوته .

موت خديجة وأبي طالب :

وماتت خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها بعد موت أبي طالب بأيام ، فاشتد البلاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه بعد موت خديجة وعمه ، وتجرؤوا عليه ، وكاشفوه بالأذى ، وأرادوا قتله ، فمنعهم الله من ذلك . قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : حضرتهم ، وقد اجتمع أشرافهم في الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : ما رأينا مثل صبرنا عليه ، سفه

 أحلامنا ، وشتم آباءنا ، وفرق جماعتنا ،  فبينما هم في ذلك ، إذ أقبل ، فاستلم الركن ، فلما مر بهم غمزوه   وفي حديث : أنه قال لهم في الثانية : لقد جئتكم بالذبح ، وأنهم قالوا له : يا أبا القاسم ! ما كنت جهولاً ، فانصرف راشداً . فلما كان من الغد اجتمعوا ، فقالوا : ذكرتم ما بلغ منكم ، حتى إذا أتاكم بما تكرهون تركتموه . فبينما هم كذلك . إذ طلع عليهم ، فقالوا : قوموا إليه وثبة رجل واحد ، فلقد رأيت عقبة بن أبي معيط آخذاً بمجامع ردائه ، وقام أبو بكر دونه وهو يبكي ، يقول : أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ؟ وفي حديث أسماء : فأتى الصريخ إلى أبي بكر ، فقالوا : أدرك صاحبك ، فخرج من عندنا وله غدائر أربع ، فخرج وهو يقول : ويلكم ، أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ؟ فلهوا عنه ، وأقبلوا على أبي بكر ، فرجع إلينا لا يمس شيئاً من غدائر إلا رجع معه . ومرة كان يصلي عند البيت ، ورهط من أشرافهم يرونه ، فأتى أحدهم بسلى جزور ، فرماه على ظهره . وكانوا يعلمون صدقه وأمانته ، وأن ما جاء به هو الحق ، لكنهم كما قال تعالى : فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون . وذكر الزهري : أن أبا جهل ، وجماعة معه ، وفيهم الأخنس بن شريق ، استمعوا قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل، فقال الأخنس لأبي جهل : يا أبا الحكم ! ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال : تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف ، أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تجاثينا على الركب ، وكنا كفرسي رهان ، قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء ! فمتى ندرك هذا ؟ والله لا نسمع له أبداً ، ولا نصدقه أبداً . وفي رواية : إني لأعلم أن ما يقول حق ، ولكن بني قصي قالوا : فينا الندوة ، فقلنا : نعم ، قالوا : فينا السقاية ، فقلنا: نعم، وذكر نحوه .

انشقاق القمر :


فمن ذلك أنهم سألوه : أن يريهم آية ، فأراهم انشقاق القمر ، وأنزل قوله : اقتربت الساعة وانشق القمر الآيات ، إلى قوله : وكل أمر مستقر ، فقالوا : سحركم ، انظروا إلى السفار ، فإن كانوا رأوا مثل ما رأيتم فقد صدق فقدموا من كل وجه ، فقالوا: رأينا . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما طلب من الآيات -التي يقترحون- رغبة منه في إيمانهم ، فيجاب بأنها : لا تستلزم الهدى ، بل توجب عذاب الاستئصال لمن كذب بها .

قول الوليد بن المغيرة في القرآن :

سحر وعن ابن عباس قال : إن الوليد بن المغيرة ، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : اقرأ علي ، فقرأ عليه : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى الآية ، فقال : والله إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه ، وإنه ليحطم ما تحته ، وما يقول هذا بشر . وفي رواية : وبلغ ذلك أبا جهل ، فأتاه . فقال : يا عم ! إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً ، قال : ولم ؟ قال : أتيت محمداً لتعوض مما قبله . قال : قد علمت قريش أني من أكثرها مالاً ، قال : فقل فيه قولاً يبلغ قومك : أنك منكر له ، قال: ماذا أقول؟ فوالله ما فيكم أعلم بالأشعار مني الخ . وفي رواية أن الوليد بن المغيرة قال -

وقد حضر الموسم- : ستقدم عليكم وفود العرب من كل جانب ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم، فأجمعوا فيه رأياً ، ولا تختلفوا ، فيكذب بعضكم بعضاً . فقالوا . فأنت فقل ، فقال : بل قولوا وأنا أسمع ، قالوا : نقول : كاهن. قال : ما هو بزمزمة الكهان ، ولا سجعهم . قالوا نقول : مجنون ، قال : ما هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه، و لا وسوسته ولا تخالجه . قالوا : نقول : شاعر ، قال : ما هو بشاعر ، لقد عرفنا الشعر رجزه وهزجه ، وقريضه ، ومقبوضه ، ومبسوطه . قالوا : نقول : ساحر ، قال : ما هو بساحر ، لقد رأينا السحرة وسحرهم ، فما هو بعقدهم ولا نفثهم ، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : ما نقول من شئ من هذا إلا عرف أنه باطل ، وإن أقرب القول ، أن تقولوا : ساحر ، يفرق بين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وعشيرته . فتفرقوا عنه بذلك . فجعلوا يجلسون للناس ، لا يمر بهم أحد إلا حذروه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله في الوليد بن المغيرة : ذرني ومن خلقت وحيدا إلى قوله : سأصليه سقر . ونزل في النفر الذين كانوا معه يصنفون القول في رسول الله ، وفيما جاء به من عند الله : الذين جعلوا القرآن عضين ، أي : أصنافاً . وكانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم الآيات ، فمنها ما يأتيهم الله به ، لحكمة أرادها الله سبحانه .

خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف :

ولما اشتد البلاء من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعد موت عمه ، خرج إلى الطائف ، رجاء أن يؤووه وينصروه على قومه ، ويمنعوه منهم ، حتى يبلغ رسالة ربه ، ودعاهم إلى الله عز وجل ، فلم ير من يؤوي ولم ير ناصراً ، وآذوه أشد الأذى ، نالوا منه ما لم ينل منه قومه ، وكان معه زيد بن حارثة مولاه . فأقام بينهم عشرة أيام ، لا يدع أحداص من أشرافهم إلا كلمه ، فقالوا : اخرج من بلدنا . وأغروا به  سفهاءهم ، فوقفوا له سماطين ، وجعلوا  يرمونه بالحجارة ، وبكلمات من السفه ، هي أشد وقعاً من الحجارة ، حتى دميت قدماه ، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه ، حتى أصابه شجاج في رأسه فانصرف إلى مكة محزوناً .  وفي مرجعه ذلك دعا بالدعاء المشهور : اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي ، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ، أو إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، غير أن عافيتك هي أوسع لي .  أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة : أن يحل علي غضبك أو ينزل بي سخطك .

 لك العتبى حتى ترضى . ولا حول ولا قوة إلا بك . فأرسل ربه تبارك وتعالى إليه ملك الجبال ، يستأمره أن يطبق الأخشبين على أهل مكة -وهما جبلاها اللذان هي بينهما- فقال : بل أستأني بهم ، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده ، لا يشرك به شيئاً . فلما نزل بنخلة في مرجعه ، قام يصلي من الليل ما شاء الله ، فصرف الله إليه نفراً من الجن ، فاستمعوا قراءته ، ولم يشعر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل عليه : وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن إلى قوله : أولئك في ضلال مبين . وأقام بنخلة أياماً ، فقال زيد بن حارثة رضي الله عنه : كيف تدخل عليهم ، وقد أخرجوك ؟ -يعني قريشاً- فقال : يا زيد ! إن الله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً، وإن الله ناصر دينه ، ومظهر نبيه . ثم انتهى إلى مكة ، فأرسل رجلاً من خزاعة إلى المطعم بن عدي : أدخل في جوارك ، فقال : نعم ، فدعا المطعم بنيه وقومه ، فقال : البسوا السلاح ، وكونوا عند أركان البيت ، فإني قد أجرت محمداً ، فلا يهجه منكم أحد . فانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الركن فاستلمه ، وصلى ركعتين ، وانصرف إلى بيته ، والمطعم بن عدي وولده محدقون به في السلاح ، حتى دخل بيته .

سؤالهم الآيات :


والله سبحانه قد يظهر الآيات الكثيرة ، مع طبعه على قلب الكافر ، كفرعون ، قال تعالى : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها إلى قوله : ولكن أكثرهم يجهلون ، وقال تعالى : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون الآية . بين سبحانه وتعالى : أنه إنما منعه أن يرسل بها إلا أن كذب بها الأولون ، فإذا كذب هؤلاء كذلك ، استحقوا عذاب الاستئصال . وروى أهل التفسير ، وأهل الحديث عن ابن عباس ، قال : سأله أهل مكة أن يجعل لهم الصفا ذهباً ، وأن ينحي عنهم الجبال حتى يزرعوا ، فقيل له : إن شئت نستأني بهم ، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا هلكوا ، كما هلك من قبلهم ، فقال : بل استأني بهم ، فأنزل الله : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون الآية . وروى ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية ، قال : رحمة لكم أيها الأمة ، إنا لو أرسلنا بالآيات ، فكذبتم بها : أصابكم ما أصاب من قبلكم . وكانت الآيات تأتيهم آية بعد آية ، فلا يؤمنون بها ، قال تعالى : وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين الآية . أخبر سبحانه بأن الآيات تأتيهم ف يعرضون عنها ، وأنهم سيرون صدق ما جاءت به الرسل ، كما أهلك الله من كان قبلهم بالذنوب التي هي تكذيب الرسل ، فإن الله سبحانه وتعالى يقول : وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا الآية . وأخبر بشدة كفرهم بأنهم لو أنزل عليهم كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم ، لكذبوا به . وبين سبحانه أنه لو جعل الرسول ملكاً لجعله على صورة الرجل . إذ كانوا لا يستطيعون أن يروا الملائكة في صورهم التي خلقوا عليها ، وحينئذ يقع اللبس عليهم ، لظنهم الرسول بشراً لا ملكاً . وقال تعالى : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا الآيات . وهذه الآيات لو أجيبوا إليها ، ثم لم يؤمنوا : لأتاهم عذاوب الاستئصال ، وهي لا توجب الإيمان ، بل إقامة للحجة ، والحجة قائمة بغيرها . وهي أيضاً مما لا يصلح ، فإن قولهم : حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا يقتضي تفجيرها بمكة ، فيصير وادياً ذا زرع . والله سبحانه وتعالى قضى بسابق حكمته : أن جعل بيته بواد غير ذي زرع ، لئلا يكون عنده ما ترغب النفوس فيه من الدنيا ، فيكون حجهم للدنيا . وإذا كان له جنة من نخيل وعنب كان في هذا من التوسع في الدنيا ما يقتضي نقص درجته ، وكذلك إذا كان له قصر من زخرف ، وهو الذهب . أما إسقاط السماء كسفاً : فهذا لا يكون إلا يوم القيامة . وأما الإتيان بالله والملائكة قبيلاً : فهذا لما سأل قوم موسى موسى ما هو دونه أخذتهم الصاعقة ، وقال تعالى : يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء الآيات . بين سبحانه : أن المشركين وأهل الكتاب سألوه إنزال كتاب من السماء ، وبين أن الطائفتين لا يؤمنون إذا جاءهم ذلك ، وأنهم إنما سألوه تعنتاً ، فقال عن المشركين : ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس الآية . وقال عن أهل الكتاب : فقد سألوا موسى أكبر من ذلك إلى قوله : ورفعنا فوقهم ، فهم -مع هذا- نقضوا الميثاق، وكفروا بآيات الله ، وقتلوا النبيين . فكان فيه من الاعتبار : أن الذين لا يهتدون إذا جاءتهم الآيات المقترحة لم يكن في مجيئها منفعة لهم ، بل فيها وجوب عقوبة عذاب الاستئصال إذا لم يؤمنوا ، وتغليظ الأمر عليهم ، كما قال تعالى : فبظلم من الذين هادوا الآية ، فكان في إنزال مثل هذه : أعظم رحمة وحكمة . ولما طلب الحواريون من المسيح المائدة ، كانت من الآيات الموجبة لمن كفر بها عذاباً ، لم يعذب الله به أحداً من العالمين . وكان قبل نزول التوراة يهلك المكذبين بالرسل بعذاب الاستئصال عاجلاً . وأظهر آيات كثيرة لما أرسل موسى ليبقى ذكرها في الأرض ، إذ كان بعد نزول التوراة لم يهلك أمة بعذاب الاستئصال ، كما قال تعالى : ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى ، بل كان بنو إسرائيل لما كانوا يفعلون ما يفعلون -من الكفر والمعاصي- يعذب الله بعضهم ويبقي بعضهم ، إذ كانوا لا يتفقون على الكفر ، ولم يزل في الأرض منهم أمة باقية على الصلاح . قال تعالى : وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك الآية ، وقال : من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون الآيتين . وكان من حكمته تعالى ورحمته -لما أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم المرسلين- أن لا يهلك قومه بعذاب الاستئصال ، بل عذب بعضهم بأنواع العذاب كالمستهزئين ، الذين قال الله فيهم : إنا كفيناك المستهزئين الآيات . والذي دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يسلط عليه كلباً من كلابه فافترسه الأسد ، كما قال تعالى : قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده الآية . فأخبر سبحانه أنه يعذب الكفار تارة بأيدي المؤمنين بالجهاد والحدود ، وتارة بغير ذلك . فكان ذلك مما يوجب إيمان أكثرهم ، كما جرى لقريش وغيرهم ، فإنه لو أهلكهم لبادوا ، وانقطعت المنفعة بهم ، ولم يبق لهم ذرية تؤمن ، بخلاف ما عذبهم به من الإذلال والقهر ، فإن في ذلك ما يوجب عجزهم ، والنفوس إذا كانت قادرة على كمال أغراضها ، فلا تكاد تنصرف عنها . بخلاف عجزها عنها ، فإنه يدعوها إلى التوبة ، كما قيل : من العصمة أن لا تقدر ، ولهذا آمن عامتهم . وقد ذكر الله في التوراة لموسى : إني أقسي قلب فرعون ، فلا يؤمن بك لتظهر أياتي وعجائبي . بين أن في ذلك من الحكمة : انتشار آياته الدالة على صدق أنبيائه في الأرض ، إذ كان موسى أخبر بتكليم الله وبكتابة التوراة له ، فأظهر له من الآيات ما يبقى ذكره في الأرض . وكان في ضمن ذلك : من تقسية قلب فرعون ما أوجب هلاكه وهلاك قومه . وفرعون كان جاحداً للصانع ، فلذلك أوتي موسى من الآيات ما يناسب حاله . وأما بنو إسرائيل -مع المسيح- فكانوا مقرين بالكتاب الأول ، فلم يحتاجوا إلى مثل ما احتاج إليه موسى ، ولم يكن محتاجاً إلى جنس تقرير النبوة ، إذ كانت الرسل قبله جاءت بما يثبت ذلك ، وإنما الحاجة إلى تث بيت نبوته . ومع هذا فقد أظهر الله على يديه من الآيات مثل آيات من قبله وأعظم ، ومع هذا لم يأت بآيات الاستئصال ، بل بين الله في القرآن: أنها لا تنفعهم بل تضرهم ، لأنه علم أن قلوبهم كقلوب الأولين ، كما قال تعالى : كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون* أتواصوا به الآية، وقال تعالى : كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم الآية ، وقال تعالى : أكفاركم خير من أولئكم الآية ، وسورة اقتربت التي ذكر فيها انشقاق القمر ، وإعراضهم عن الآيات ، وقوله : سحر مستمر ، وقال فيها : ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر . أي : يزجرهم عن الكفر زجراً شديداً ، إذ كان في تلك الأنباء صدق الرسول والإنذار بالعذاب الذي وقع بالمتقدمين . ولهذا يقول عقيب كل قصة : فكيف كان عذابي ونذر ، أي : عذابي لمن كذب رسلي ، وإنذاري لهم بذلك قبل مجيئه ، ثم قال : أكفاركم أيتها الأمة خير من أولئك الذين كذبوا الرسل من قبلكم ، أم لكم براءة في الزبر* أم يقولون نحن جميع منتصر ، وذلك أن كونكم تعذبون مثلهم . إما لكونكم لا تستحقون ما استحقوا ، أو لكون الله أخبر أنه لا يعذبكم ، فهذا ب النظر إلى قوة الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه ، فيقولون : نحن جميع منتصر ، فإنهم أكثر وأقوى ، كما قالوا : أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا إلى قوله : أثاثا ورئيا ، أي : أموالاً ومنظراً . فقال تعالى : سيهزم الجمع ويولون الدبر . أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم بهزيمتهم ، وهو بمكة ، في قلة من الأتباع ، وضعف منهم . ولا يظن أحد -قبل أن يهاجر- بالعادة المعروفة : أن أمره يعلو ، ويقاتلهم ، فكان كما أخبر ، وذلك ببدر ، وتلك سنة الله ، كما قال تعالى : سنة الله التي قد خلت من قبل الآية . وحيث يظهر الكفار ويغلبون ، فإنما يكون ذلك لذنوب المؤمنين التي أوجبت نقص إيمانهم ، فإذا تابوا نصرهم الله ، كما قال تعالى : ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين . فإذا كان من تمام الحكمة والرحمة : أن لا يهلكهم بالاستئصال كالذين من قبلهم ، قال تعالى : أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر كان لا يأتي بموجب ذلك ، مع إتيانه سبحانه بما يقيم الحجة أكمل في الحكمة والرحمة، إذ كان ما أتى به حصل به كمال الهدى والحجة ، وما امتنع منه دفع من عذاب الاستئصال ما أوجب بقاء ج مهور الأمة ، حتى يهتدوا ويؤمنوا ، وكان في إرسال خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم من الحكمة البالغة ، والمنن السابغة ، ما لم يكن في رسالة غيره ، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين . رجعنا إلى سيرته صلى الله عليه وسلم .

فصل في الهجرة :

قد ذكرنا : أنه صلى الله عليه وسلم كان يوافي الموسم كل عام ، يتبع الحاج في منازلهم ، وفي عكاظ وغيرهم ، يدعوهم إلى الله ، فلم يجبه أحد منهم ، ولم يؤوه . فكان مما صنع الله لرسوله : أن الأوس والخزرج كانوا يسمعون من حلفائهم يهود المدينة : أن نبياً يبعث في هذا الزمان ، فنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وكانت الأنصار تحج ، كغيرها من العرب ، دون اليهود . فلما رأى الأنصار رسول

 الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الله ، وتأملوا أحواله ، قال بعضهم لبعض : تعلمون والله يا قوم أن هذا الذي توعدكم به اليهود ، فلا يسبقنكم إليه. وقدر الله بعد ذلك : أن اليهود يكفرون به ، فهو قوله تعالى : ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين الآية بعدها 

الإسراء والمعراج :

ثم أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس راكباً على البراق صحبه جبريل عليه السلام . فنزل هناك ، وصلى بالأنبياء إماماً وربط البراق بحلقة باب المسجد . ثم عرج به إلى السماء الدنيا ، فرأى فيها آدم ، ورأى أرواح السعداء عن يمينه ، والأشقياء عن شماله ، ثم إلى الثانية ، فرأى فيها عيسى ويحيى . ثم إلى

 الثالثة ، فرأى فيها يوسف . ثم إلى الرابعة ، فرأى فيها إدريس . ثم إلى الخامسة ،  فرأى فيها هارون . ثم إلى السادسة ، فرأى فيها موسى . فلما جاوزه بكى ، فقيل له : ما يبكيك ؟ قال : أبكي أن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخل من أمتي  ثم عرج به إلى السماء السابعة ، فلقي فيها إبراهيم .  ثم إلى سدرة المنتهى . ثم رفع إلى البيت المعمور ، فرأى هناك جبريل في صورته ، له ستمائة جناح ، وهو قوله تعالى : ولقد رآه نزلة أخرى*عند سدرة المنتهى . وكلمه ربه وأعطاه ما أعطاه ، وأعطاه الصلاة ، فكانت قرة عين رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم في قومه ، وأخبرهم اشتد تكذيبهم له ، وسألوه أن يصف لهم بيت المقدس . فجلاه الله له حتى عاينه . وجعل يخبرهم به ولا يستطيعون أن يردوا عليه شيئاً وأخبرهم عن عيرهم التي رآها في مسراه ومرجعه ، وعن وقت قدومها ، وعن البعير الذي يقدمها . فكان كما قال فلم يزدهم ذلك إلا ثبوراً ، وأبى الظالمون إلا كفوراً .

إسلام سعد بن معاذ ، وأسيد بن حضير :

فقال سعد بن معاذ - سيد الأوس ، لأسيد بن حضير : اذهب إلى هذين اللذين قد أتيا ليسفها ضعفاءنا ، فازجرهما فإن أسعد بن زرارة ابن خالتي . ولولا ذلك لكفيتك ذلك . وكان سعد وأسيد سيدي قومهما . فأخذ أسيد حربته ، ثم أقبل إليهما. فلما رآه أسعد بن زرارة ، قال لمصعب : هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه . قال مصعب : إن يكلمني أكلمه . فوقف عليهما ، فقال : ما جاء بكما إلينا ؟ تسفهان ضعفاءنا ؟ اعتزلا ، إن كان لكما في أنفسهما حاجة .

 فقال له مصعب : أو تجلس فتسمع . فإن رضيت أمراً قبلته . وإن كرهته كف عنك ما تكره . فقال : أنصفت. ثم ركز حربته وجلس . فكلمه مصعب بالإسلام ، وتلا عليه القرآن . قال : فوالله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم ، في إشراقه وتهلله . ثم قال : ما أحسن هذا وما أجمله ! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين ؟ قالا له : تغتسل وتطهر ثوبك ، ثم تشهد شهادة الحق ، ثم تصلي ركعتين . فقام واغتسل ، وطهر ثوبه ، وتشهد وصلى ركعتين ، ثم قال : إن ورائي رجلاً إن تبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه . وسأرشده إليكما الآن -سعد بن معاذ- ثم أخذ حربته ، وانصرف إلى سع د في قومه ، وهم جلوس في ناديهم . فقال سعد : أحلف بالله ، جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم . فلما وقف على النادي ، قال له سعد : ما فعلت ؟ فقال : كلمت الرجلين ، فوالله ما رأيت بهما بأساً ، وقد نهيتهما ، فقالا : نفعل ما أحببت . وقد حدثت : أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه -وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك- ليخفروك . فقام سعد مغضباً ، للذي ذكر له . فأخذ حربته ، فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيداً إنما أراد أن يسمع منهما ، فوقف عليهما متشتماً . ثم قال لأسعد بن زرارة : والله يا أبا أمامة ! لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني ، أتغشانا في دارنا بما نكره ؟ . وقد كان أسعد قال لمصعب : جاءك والله سيد من ورائه قومه . إن يتبعك لم يتخلف عنك منهم أحد . فقال له مصعب : أو تقعد فتسمع ؟ فإن رضيت أمراً قبلته ، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره . قال : قد أنصفت ، ثم ركز حربته فجلس . فعرض عليه الإسلام ، وقرأ عليه القرآن ، قال : فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم ، في إشراقه وتهلله ، ثم قال: كيف تصنعون إذا أسلمتم ؟ قالا : تغتسل وتطهر ثوبك ثم تشهد شهادة الحق ، ثم تصلي ركعتين ، ففعل ذلك . ثم أخذ حربته ، فأقبل إلى نادي قومه ، فلما رأوه قالوا : نحلف بالله لقد رجع بغير الوجه الذي ذهب به . فقال : يا بني عبد الأشهل ، كيف أمري فيكم ؟ قالوا : سيدنا ، وابن سيدنا ، وأفضلنا رأياً ، وأيمننا نقيبة . قال : فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله. فما أمسى فيهم رجل ولا امرأة إلا أسلموا، إلا الأصيرم . فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد ، فأسلم وقاتل وقتل ، ولم يسجد لله سجدة . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : عمل قليلاً وأجر كثيراً . فأقام مصعب في منزل أسعد يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون ، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ، ووائل ، وواقف . وذلك : أنهم كان فيهم قيس بن الأسلت الشاعر ، وكانوا يسمعون منه ، فوقف بهم عن الإسلام ، حتى كان عام الخندق ، بعد أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما كان من العام المقبل ، وجاء موسم الحج ، قال من أسلم من الأنصار : حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يطرد في جبال مكة ويخاف ؟! فخرجوا مع مشركي قومهم حجاجاً .

بيعة العقبة الأولى :

فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم عند العقبة : ستة نفر من الأنصار كلهم من الخزرج ، منهم أسعد بن زرارة، وجابر بن عبد الله بن رئاب السلمي ، فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا ثم رجعوا إلى المدينة ، فدعوا إلى الإسلام ، فنشأ الإسلام فيها ، حتى لم تبق دار إلا دخلها . فلما كان العام المقبل : جاء منهم اثنا عشر رجلاً -الستة الأول ، خلا جابراً- ومعهم عبادة بن الصامت ، وأبو الهيثم بن التيهان ، وغيرهم . الجميع اثنا عشر رجلاً . وكان الستة الأولون قد قالوا له لما أسلموا 

إن بين قومنا من العداوة والشر ما بينهم ، وعسى الله أن يجمعهم بك . وسندعوهم إلى أمرك ، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك . وكان الأوس والخزرج أخوين لأم وأب ، وأصلهم من اليمن من سبأ، وأمهم قيلة بنت كاهل -امرأة من قضاعة- ويقال لهم لذلك : أبناء قيلة ، قال الشاعر : بهاليل من أولاد قيلة لم يجد عليهم خليط في مخالطة عتبا فوقعت بينهم العداوة بسبب قتيل ، فلبثت الحرب بينهم مائة وعشرين سنة إلى أن أطفاها الله بالإسلام . وألف بينهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك قوله : واذكروا نعمة الله عليكم إذ ك نتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا الآية . فلما جاءه الاثنا عشر رجلاً من العام الأتي -الذي ذكرنا- ومنهم اثنان من الأوس : أبو الهيثم ، وعويم بن ساعدة ، والباقي من الخزرج . فلما انصرفوا بعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير ، وأمره أن يقرئهم القرآن ، ويعلمهم الإسلام ، فنزل على أبي أمامة -أسعد بن زرارة- فخرج بمصعب -في إحدى خريجاته- فدخل به حائطاً من حيطان بني ظفر ، فجلسا فيه ، واجتمع إليهما رجال ممن أسلم 

الهجرة إلى المدينة :

بيعة العقبة الثانية :

فلما وصلوا واعدوه العقبة ، من أواسط أيام التشريق للبيعة ، بعد ما انقضى حجهم . فقال له العباس : ما أدري ما هؤلاء القوم الذين جاؤوك ؟ إني ذو معرفة بأهل يثرب . فلما كان بالليل تسللوا من رحالهم مختفين ، ومعهم عبد الله بن عمرو بن حرام - أبو جابر- وهو مشرك ، وكانوا يكاتمونه الأمر . فلما كانت الليلة التي واعدوا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالوا له : يا أبا جابر ، إنك شريف من أشرافنا ، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطباً للنار غداً . قال : وما ذلك ؟ فأخبروه الخبر ، فأسلم، وشهد العقبة وكان نقيباً .

 فلما مضى ثلث الليل خرجوا للميعاد ، حتى اجتمعوا عنده ، من رجل ورجلين ومعه عمه العباس -وهو يومئذ على دين قومه- ولكنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ، ويتوثق له . فلما نظر العباس في وجوههم ، قال : هؤلاء قوم لا نعرفهم ، هؤلاء أحداث ، وكان أول من تكلم ، فقال : يا معشر الخزرج ! - و كانت العرب تسمي الجميع الخزرج- إن محمداً منا حيث علمتم ، وقد منعناه من قومنا وهو في منعة في بلده ، إلا أنه أبى إلا الانقطاع إليكم ، واللحوق بكم . فإن كنتم ترون أنكم وافون بما دعوتموه إليه ومانعوه مم ن خالفه ، فأنتم وما تحملتم . وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه -بعد خروجه إليكم- فمن الآن فدعوه ، فإنه في عز ومنعة . قالوا : قد سمعنا ما قلت ، فتكلم يا رسول الله ! خذ لنفسك ولربك ما شئت . فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال : أبايعكم على أن تمنعوني -إذا قدمت عليكم- مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، ولكم الجنة . فكان أول من بايعه : البراء بن معرور ، فقال : والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا ، فبايعنا يا رسول الله ! فنحن أهل الحرب والحلقة ، ورثناها كابراً عن كابر . فاعترضه أبو الهيثم بن التيهان ، وقال : إن بيننا وبين الناس حبالاً ، ونحن قاطعوها ، فهل عسيت -إن أظهرك الله- أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : لا والله ، بل الدم الدم ، والهدم الهدم ، أنتم مني ، وأنا منكم ، أحارب من حاربتم ، وأسالم من سالمتم . فلما قاموا يبايعونه ، أخذ بيده أصغرهم -أسعد بن زرارة- فقال : رويداً يا أهل يثرب ! إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله ، وإن إخراجه اليوم مفارقة للعرب كافة ، وقتل خياركم ، وأن تعضكم السيوف ، فإما أنتم تصبرون على ذ لك ، فخذوه وأجركم على الله . وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه ، فهو أعذر لكم عند الله . فقالوا : أمط عنا يدك ، فوالله ما نذر هذه البيعة ولا نستقيلها . فقاموا إليه رجلاً رجلاً ، يأخذ منهم ، ويعطيهم بذلك الجنة . ثم كثر اللغط ، فقال العباس : على رسلكم ، فإن علينا عيوناً . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيباً كفلاء على قومهم ، ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم ، وأنا كفيل على قومي . وفي رواية : أن موسى اتخذ من قومه اثني عشر نقيباً، فكان نقيب بني النجار : أسعد بن زرارة . ونقيب بني سلمة : البراء بن معرور ، وعبد الله بن عمرو بن حرام . ونقيب بني ساعدة : سعد بن عبادة ، والمنذر بن عمرو . ونقيب بني زريق : رافع بن مالك بن عجلان . ونقيب بني الحارث بن الخزرج : عبد الله بن رواحة ، وسعد بن الربيع : ونقيب القواقل : عبادة بن الصامت . ونقيب الأوس : أسيد بن حضير ، وأبو الهيثم بن التيهان . ونقيب بني عوف : سعد بن خيثمة . وكان جميع أهل العقبة : سبعين رجلاً وامرأتين . فلما بايعوه صرخ الشيطان بأنفذ صوت سمع قط : يا أهل الأخاشب ، هل لكم في محمد والصبأة معه ؟ قد اجتمعوا عل ى حربكم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا أزب العقبة ، أما والله يا عدو الله لأفرغن لك . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ارفضوا إلى رحالكم . فقال العباس بن عبادة بن نضلة : والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل مكة غداً بأسيافنا ، فقال : لم نؤمر بذلك ، ولكن ارجعوا إلى رحالكم، فرجعوا . فلما أصبحوا غدت عليهم جلة قريش ، فقالوا : إنه بلغنا أنكم جئتم صاحبنا البارحة ، تستخرجونه من بين أظهرنا ، وتبايعونه على حربنا ، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم ، فانبعث رجال -ممن لم يعلم- يحلفون لهم بالله : ما كان من هذا شئ ، والذين يشهدون ينظر بعضهم إلى بعض . وجعل عبد الله بن أبي سلول يقول : هذا باطل ، ما كان هذا ، وما كان قومي ليفتاتوا علي بمثل هذا ، لو كنت بيثرب ما صنع قومي هذا ، حتى يؤامروني . فقام القوم -وفيهم الحارث بن هشام- وعليه نعلان جديدان ، فقال كعب بن مالك كلمة -كأنه يريد أن يشرك بها القوم فيما قالوا- فقال : يا أبا جابر ! أما تستطيع أن تتخذ -وأنت سيد من ساداتنا- مثل نعلي هذا الفتى ؟ فسمعها الحارث ، فخلعهما من رجليه والله ثم رمى بهما إ ليه ، وقال : والله لتنتعلهما . فقال أبو جابر : مه ؟ أحفظت الفتى ، فاردد إليه نعليه . قال : لا أردهما إليه فأل والله صالح ، لئن صدق الفأل لأسلبنه . فلما انفصلت الأنصار عن مكة : صح الخبر عند قريش ، فخرجوا في طلبهم ، فأدركوا سعد بن عبادة ، والمنذر بن عمرو. فأعجزهم المنذر ومضى . وأما سعد ، فقالوا له : أنت على دين محمد ؟ قال : نعم ، فربطوا يديه إلى عنقه بنسعة رحله ، وجعلوا يسحبونه بشعره ، ويضربونه -وكان ذا جمة- حتى أدخلوه مكة . فجاء المطعم بن عدي والحارث بن حرب بن أمية ، فخلصاه من أيديهم . وتشاورت الأنصار أن يكروا إليه ، فاذا هو قد طلع عليهم فرحلوا إلى المدينة . وكان الذي أسره ضرار بن الخطاب الفهري ، وقال : تداركت سعداً عنوة فأسرته وكان شفائي لو تداركت منذرا ولو نلته طلت هناك جراحه أحق دماء أن تهان وتهدرا فأجابه حسان بن ثابت رضي الله عنه : فخرت بسعد الخير حين أسرته وقلت : شفائي لو تداركت منذرا وإن امرءاً يهدي القصائد نحونا كمستبضع تمراً إلى أهل خيبرا فلا تك كالشاة التي كان حتفها بحفر ذراعيها فلم ترض محفرا ولا تك كالوسنان يحلم أن ه بقرية كسرى أو بقرية قيصرا ولا تك كالثكلى وكانت بمعزل عن الثكل لو أن الفؤاد تفكرا ولا تك كالعاوي وأقبل نحره ولم يخشه سهماً من النبل مضمرا أتفخر بالكتان لما لبسته وقد يلبس الأنباط ريطاً مقصرا فلولا أبو وهب لمرت قصائد على شرف البيداء يهوين حسرا وسمعت قريش قائلاً يقول بالليل على أبي قبيس : فإن يسلم السعدان يصبح محمد بمكة لايخشى خلاف المخالف قالوا : من هما ؟ قال أبو سفيان : أسعد بن بكر ، أم سعد بن هزيم ؟ فلما كانت الليلة القابلة ، سمعوه يقول : فيا سعد-سعد الأوس-كن أنت ناصراً ويا سعد-سعد الخزرجين-الغطارف أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا على الله في الفردوس منة عارف فإن ثواب الله للطالب الهدى جنان من الفردوس ذات رفارف فقال أبو سفيان : هذا والله سعد بن عبادة ، وسعد بن معاذ .


 

وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين في الهجرة إلى المدينة ، فبادروا إليها . وأول من خرج : أبو سلمة بن عبد الأسد، وزوجته أم سلمة ، ولكنها حبست عنه سنة ، وحيل بينها وبين ولدها ، ثم خرجت بعد هي وولدها إلى المدينة . ثم خرجوا أرسالاً ، يتبع بعضهم بعضاً . ولم يبق منهم بمكة أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ، وعلي -أقاما بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما- وإلا من احتبسه المشركون كرهاً . وأعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جهازه ، ينتظر متى يؤمر بالخروج . وأعد أبو بكر جهازه .

قصة سراقة بن مالك :

فلما أيس المشركون منهما جعلوا لمن جاء فيهما دية كل واحد منهما ، لمن يأتي بهما أو بأحدهما ، فجد الناس في الطلب ، والله غالب على أمره . فلما مروا بحي مدلج مصعدين من قديد ، بصر بهم رجل فوقف على الحي ، فقال : لقد رأيت آنفاً أسودة ما أراها إلا محمداً وأصحابه . ففطن بالأمر سراقة بن مالك ، فأراد أن يكون الظفر له ، وقد سبق له من الظفر ما لم يكن في حسابه ، فقال: بل هما فلان وفلان، خرجا في طلب حاجة لهما . ثم مكث قليلاً ، ثم قام فدخل خباءه ، وقال لجاريته : اخرجي بالفرس من وراء الخباء وموعدك وراء الأكمة . ثم أخذ رمحه وخفض عاليه يخط به الأرض حتى ركب فرسه ، فلما قرب منهم ، وسمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر يكثر الالتفات ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلتفت- قال أبو بكر : يا رسول الله ! هذا سراقة بن مالك قد رهقنا . فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فساخت يدا فرسه في الأرض ، فقال : قد علمت أن الذي أصابني بدعائكما ، فادعوا الله لي ، ولكما أن أرد الناس عنكما 

 فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخلصت يدا فرسه ، فانطلق . وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن يكتب له كتاباً ، فكتب له أبو بكر بأمره في أديم . وكان الكتاب معه إلى يوم فتح مكة ، فجاء به ، فوفى له رسول الله صلى الله عليه وسلم . فرجع ، فوجد الناس في الطلب ، فجعل يقول : قد استبرأت لكم الخبر ، وقد كفيتم ها هنا ، فكان أول النهار جاهداً عليهما ، وكان آخره حارساً لهما .

تآمر قريش بدار الندوة على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم :

فلما رأى المشركون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تجهزوا وخرجوا بأهليهم إلى المدينة ، عرفوا أن الدار دار منعة ، وأن القوم أهل حلقة وبأس . فخافوا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيشتد أمره عليهم 

فاجتمعوا في دار الندوة ، وحضرهم إبليس في صورة شيخ من أهل نجد ، فتذاكروا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأشار كل منهم برأي ، والشيخ يرده ولا يرضاه ، إلى أن قال أبو جهل : قد فرق لي فيه برأي ، ما أراكم وقعتم عليه ، قالوا : ما هو ؟ قال : أرى أن نأخذ من كل قبيلة من قريش غلاماً جلداً ، ثم نعطيه سيفاً صارماً ، ثم يضربونه ضربة رجل واحد ، فيتفرق دمه في القبائل . فلا تدري بنو عبد مناف بعد ذلك ما تصنع ، ولا يمكنها معاداة القبائل كلها ، ونسوق ديته . فقال الشيخ : لله در هذا الفتى ، هذا والله الرأي ، فتفرقوا على ذلك . فجاء جبريل ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، وأمره أن لا ينام في مضجعه تلك الليلة . وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر نصف النهار -في ساعة لم يكن يأتيه فيها- متقنعاً ، فقال : أخرج من عندك، فقال : إ نما هم أهلك يا رسول الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله قد أذن لي في الخروج، فقال أبو بكر : الصحبة يا رسول الله ‍قال : نعم، فقال أبو بكر : فخذ بأبي أنت وأم - إحدى راحلتي هاتين ، فقال : بالثمن . وأمر علياً أن يبيت تلك الليلة على فراشه . واجتمع أولئك النفر يتطلعون من صير الباب ، ويرصدونه يريدون بياته ، ويأتمرون : أيهم يكون أشقاها ؟ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم فأخذ حفنة من البطحاء فذرها على رؤوسهم ، وهو يتلو : وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ، وأنزل الله : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين . ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر ، فخرجا من خوخة في بيت أبي بكر ليلاً ، فجاء رجل ، فرأى القوم ببابه ، فقال : ما تنتظرون ؟ قالوا : محمداً . قال : خبتم وخسرتم ، قد والله مر بكم ، وذر على رؤوسكم التراب . قالوا : والله ما أبصرناه . وقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم . فلما أصبحوا قام علي رضي الله عنه عن الفراش ، فسألوه عن محمد ؟ فقال : لا علم لي به . ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى غار ثور ، فنسجت العنكبوت على بابه . وكانا قد استأجرا عبد الله بن أريقط الليثي ، وكان هادياً ماهراً -وكان على دين قومه- وأمناه على ذلك ، وسلما إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث . وجدت قريش في طلبهما ، وأخذوا معهم القافة ، حتى انتهوا إلى باب الغار ، فوقفوا عليه ، فقال أبو بكر : يا رسول الله ! لو أن أحدهم نظر إلى ما تحت قدميه لأبصرنا . فقال : ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ لا تحزن إن الله معنا . وكانا يسمعان كلامهم ، إلا أن الله عمى عليهم أمرهما . وعامر بن فهيرة يرعى غنماً لأبي بكر ، ويتسمع ما يقال عنهما بمكة، ثم يأتيهما بالخبر ليلاً ، فإذا كان السحر سرح مع الناس . قالت عائشة : فجهزناهما أحث الجهاز ، وصنعنا لهما سفرة في جراب ، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فأوكت به فم الجراب ، وقطعت الأخرى عصاماً للقربة ، فبذلك لقبت ذات النطاقين . ومكثا في الغار ثلاثاً ، حتى خمدت نار الطلب ، فجاءهما ابن أريقط بالراحلتين فارتحلا ، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة .

دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة :

ولما بلغ الأنصار مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ، كانوا يخرجون كل يوم إلى الحرة ينتظرونه [أول النهار]، فإذا اشتد حر الشمس رجعوا إلى منازلهم ، فلما كان يوم الإثنين ثاني عشر ربيع الأول ، على رأس ثلاث عشرة سنة من نبوته خرجوا على عادتهم ، فلما حمي الشمس رجعوا ، فصعد رجل من اليهود على أطم من آطام المدينة،

 [لبعض شأنه] فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب ، فصرخ بأعلى صوته : يا بني قيلة ! هذا صاحبكم قد جاء ، هذا جدكم الذي تنتظرونه .  فثار الأنصار إلى السلاح ليتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وسمعت الوجبة والتكبير في بني عمرو بن عوف ، وكبر المسلمون فرحاً بقدومه . وخرجوا للقائه ، فتلقوه وحيوه بتحية النبوة ، وأحدقوا به مطيفين حوله . فلما أتى المدينة ، عدل ذات اليمين ، حتى نزل بقباء في بني عمرو بن عوف ، ونزل على كلثوم بن الهدم -أو على سعد بن خيثمة- فأقام في بني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة ، وأسس مسجد قباء ، وهو أول مسجد أسس بعد النبوة . فلما كان يوم الجمعة ركب ، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف ، فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي ، ثم ركب ، فأخذوا بخطام راحلته ، يقولون : هلم إلى القوة والمنعة والسلاح . فيقول : خلوا سبيلها ، فإنها مأمورة، فلم تزل ناقته سائرة، لا يمر بدار من دور الأنصار ، إلا رغبوا إليه في النزول عليهم ، فيقول : دعوها فإنها مأموة ، فسارت حتى وصلت إلى موضع مسجده اليوم ، فبركت . ولم ينزل عنها ، حتى نهضت وسارت قليلاً ، ثم رجعت وبركت في موضعها الأول ، فنزل عنها وذلك في بني النجار ، أخواله صلى الله عليه وسلم . وكان من توفيق الله لها ، فإنه أحب أن ينزل على أخواله يكرمهم ، فجعل الناس يكلمونه في النزول عليهم . وبادر أبو أيوب خالد بن زيد إلى رحله ، فأدخله بيته ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : المرء مع رحله، وجاء أسعد بن زرارة ، فأخذ بخطام ناقته ، فكانت عنده . وأصبح كما قال أبو قيس صرمة بن أبي أنس -وكان ابن عباس يختلف إليه ليحفظها عنه : ثوى في قريش بضع عشرة حجة يذكر لو يلقى حبيباً مواتياً ويعرض في أهل المواسم نفسه فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا فلما أتانا واستقـرت به النوى وأصبح مسروراً بطيبة راضيا وأصبح لا يخشى ظلامة ظالم ب عيد ولا يخشى من الناس باغيا بذلنا له الأموال من جل مالنا وأنفسنا عند الوغى والتآسيا نعادي الذي عادى من الناس كلهم جميعاً وإن كان الحبيب المصافيا ونعلم أن الله لا رب غيره وأن كتاب الله أصبح هاديا وكما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه : قومي الذين هموا آووا نبيهمو وصدقوه وأهل الأرض كفار إلا خصائص أقوام همو تبع في الصالحين مع الأنصار أنصار مستشعرين بقسم الله قولهمو لما أتاهم كريم الأصل مختار أهلاً وسهلاً ففي أمن وفي سعة نعم النبي ونعم القسم والجار فأنزلوه بدار لا يخاف بها من كان جارهمو داراً هي الدار وقاسموه بها الأموال إذ قدموا مهاجرين وقسم الجاحد النار وكما قال : نصرنا وآوينا النبي محمداً على أنف راض من معد وراغم قال ابن عباس : كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فأمر بالهجرة ، وأنزل الله عليه : وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ، والنبي صلى الله عليه وسلم يعلم : أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان ، فسأل الله سلطاناً نصيراً ، فأعطاه . قال البراء : أول من قدم علينا : مصعب بن عمير ، وابن أم مكتوم . فجعلا يقرئان الناس القرآن ، ثم جاء عمار بن ياسر ، وبلال، وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين راكباً ، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما رأيت الناس فرحوا بشئ كفرحهم به ، حتى رأيت النساء والصبيان والإماء يقلن : قدم رسول الله ، جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال أنس : شهدته يوم دخل المدينة ، فما رأيت يوماً قط كان أحسن ولا أضوأ من اليوم الذي دخل المدينة علينا ، وشهدته يوم مات ، فما رأيت يوماً قط كان أقبح ولا أظلم من يوم مات . فأقام في بيت أبي أيوب حتى بنى حجره ومسجده . وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو في منزل أبي أيوب- زيد بن حارثة ، وأبا رافع ، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة ، فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه ، وسودة بنت زمعة زوجه ، وأسامة بن زيد ، وأم أيمن . وأما زينب فلم يمكنها زوجها أبو العاص بن الربيع من الخروج ، وخرج عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر ، وفيهم عائشة [فنزلوا في بيت حارثة بن النعمان] .

قصة أم معبد :

ثم مروا بخيمة أم معبد الخزاعية : وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء الخيمة ثم تطعم وتسقي من مر بها ، فسألاها : هل عندها شئ يشترونه ؟ فقالت : -والله لو عندنا شئ ما أعوزكم القرى ، والشاء عازب - وكانت سنة شهباء - فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة ، فقال : ما هذه الشاة ؟ قالت : خلفها الجهد عن الغنم ، فقال : هل بها من لبن ؟، قالت : هي أجهد من ذلك ، قال : أتأذنين لي أن أحلبها ؟، قالت :

 نعم -بأبي أنت وأمي- إن رأيت بها حليباً فاحلبها، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ضرعها ، وسمى الله ودعا . فتفاجت عليه ودرت ، فدعا بإناء لها يربض الرهط ، فحلب فيه حتى علته الرغوة ، فسقاها فشربت حتى رويت ، وسقى أصحابه حتى رووا ، ثم شرب هو ، وحلب فيه ثانياً فملأ الإناء، ثم غادره عندها وارتحلوا . فقل ما لبثت : أن جاء زوجها يسوق أعنزاً عجافاً يتساوكن هزالاً ، فلما رأى اللبن ، قال : من أين هذا؟ والشاء عازب ، ولا حلوبة في البيت . قالت : لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك ، من حديثه : كيت وكيت ، قال : والله إني لأراه صاحب قريش الذي تطلبه ، صفيه لي يا أم معبد . قالت : ظاهر الو ضاءة ، أبلج الوجه ، حسن الخلق ، لم تعبه ثجلة ، ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم في عينيه دعج ، وفي أشفاره وطف ، وفي صوته صحل ، وفي عنقه سطع ، وفي لحيته كثاثة أحور أكحل أزج أقرن، شديد سواد الشعر، إذا تكلم علاه البهاء ، أجمل الناس وأبهاه من بعيد ، وأحسنه وأحلاه من قريب ، حلو المنطق ، فصل ، لا تزر ولا هذر ، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن ، ربعة لا تقتحمه عين من قصر ، وتشنؤه من طول ، غصن بين غصنين ، فهو أنضر الثلاثة منظراً ، وأحسنهم قدراً ، له رفقاء يحفون به ، إذا قال استمعوا لقوله ، وإذا أمر تبادروا إلى أمره ، محفود محشود ، لا عابس ولا مفند . قال أبو معبد : هذا -والله- صاحب قريش الذي تطلبه ، ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن ، إن وجدت إلى ذلك سبيلاً . وأصبح صوت عال بمكة يسمعونه ، ولا يرون القائل ، يقول : جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلا بالبر وارتحلا به فأفلح من أمسى رفيق محمد فيا لقصي ما زوى الله عنكمو به من فخار لا يحاذى وسؤدد وقد غادرت وهناً لديها بحالب يرد بها في مصدر ثم يورد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها؟ فإنكموا إن ت سألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت له بصريح ضرة الشاة مزبد لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم وقدس من يسري إليه ويغتدي ترحل عن قوم فزالت عقولهم وحل على قوم بنور مجدد هداهم به -بعد الضلالة-ربهم وأرشدهم من يتبع الحق يرشد وقد نزلت منه على أهل يثرب ركاب هدى حلت عليهم بأسعد نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ويتلو كتاب الله في كل مشهد وإن قال في يوم مقالة غائب فتصديقها في ضحوة اليوم أوغد ليهن أبا بكر سعادة جده بصحبته من يسعد الله يسعد ويهن بني كعب مكان فتاتهم ويقعدها للمؤمنين بمرصد قالت أسماء بنت أبي بكر : مكثنا ثلاث ليال لا ندري أين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بأبيات غناء العرب ، والناس يتبعونه ، ويسمعون منه ولا يرونه ، حتى خرج من أعلى مكة ، فعرفنا أين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالت : ولما خرج أبو بكر احتمل معه ماله ، فدخل علينا جدي أبو قحافة -وقد ذهب بصره - فقال : إني والله لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه . قلت : كلا والله ، قد ترك لنا خيراً . وأخذت حج ارة ، فوضعتها في كوة البيت . وقلت : ضع يدك على المال . فوضعها ، وقال : لا بأس ، إن كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن . قالت : والله ما ترك لنا شيئاً ، وإنما أردت أن أسكت الشيخ .

بناؤه صلى الله عليه وسلم بعائشة :  

فلما فرغ من البناء بنى بعائشة في البيت الذي بناه لها شرقي المسجد ، وكان بناؤه بها في شوال من السنة الأولى ، وكان بعض الناس يكره البناء في شوال ، قيل : إن أصله أن طاعوناً وقع في الجاهلية ، وكانت عائشة تتحرى أن تدخل نساءها في شوال وتخالفهم ، وجعل لسودة بيتاً آخر .

بناء المسجد :

قال الزهري : بركت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موضع مسجده ، وكان مربداً لسهل وسهيل ، غلامين يتيمين من الأنصار ، كانا في حجر أسعد بن زرارة . فساوم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين بالمربد ، ليتخذه مسجداً ، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله ، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فاشتراه منهما بعشرة دنانير . 

وفي الصحيح أنه قال : يا بني النجار ، ثامنوني بحائطكم هذا، قالوا . لا والله ، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله - وكان فيه شجر غرقد ونخل ، وقبور للمشركين ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقبور فنبشت ، وبالنخيل والشجر فقطع . وصفت في قبلة المسجد . وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع . وفي الجانبين مثل ذلك أو دونه ، وأساسه قريباً من ثلاثة أذرع ، ثم بنوه باللبن ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يبني معهم ، وينقل اللبن والحجارة بنفسه ، ويقول : اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة وكان يقول : هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر وجعلوا يرتجزون ، ويقول أحدهم في رجزه : لئن قعدنا والرسول يعمل لذاك منا العمل ا لمضلل وجعل قبلته إلى بيت المقدس ، وجعل له ثلاثة أبواب : باب في مؤخره ، وباب يقال له : باب الرحمة ، والباب الذي يدخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم . وجعل عمده الجذوع ، وسقفه الجريد وقيل له : ألا تسقفه ؟ قال : عريش كعريش موسى، وبنى بيوت نسائه إلى جانبيه . بيوت الحجر باللبن ، وسقفها بالجذوع والجريد .

حوادث السنة الثانية :

وفي السنة الثانية : رأى عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأذان ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقيه على بلال . وفيها : فرض صوم رمضان ، ونسخ صوم عاشوراء ، وبقي صومه مستحباً . وفيها : زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً فاطمة رضي الله عنهما . وفيها : صرف الله عز وجل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة .

المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين :

ثم آخى بين المهاجرين والأنصار ، وكانوا تسعين رجلاً : نصفهم من المهاجرين ، ونصفهم من الأنصار ، آخى بينهم على المواساة ، وعلى أن يتوارثوا بعد الموت ، دون ذوي الأرحام ، إلى وقعه بدر . فلما أنزل الله : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ، رد التوارث إلى الأرحام [دون عقد الأخوة] 

 وقيل : إنه آخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض مؤاخاة ثانية ، واتخذ علياً أخاً لنفسه ، والأثبت الأول . وفي الصحيح عن عائشة ، قالت : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهي وبيئة ، فمرض أبو بكر ، وكان يقول إذا أخذته الحمى : كل امرىء مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته ، ويقول : ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوماً مياه مجنة؟ وهل يبدون لي شامة وطفيل؟ اللهم العن عتبة بن ربيعة ، وأمية بن خلف ، وشيبة بن ربيعة ، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء . فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد . اللهم صححها ، وبارك لنا في صاعها ومدها ، وانقل حماها إلى الجحفة ، قالت : فكان المولود يولد في الجحفة ، فلا يبلغ الحلم حتى تصرعه الحمى .

أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم :

وأول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم على قول موسى بن عقبة -لواء حمزة بن عبد المطلب في شهر رمضان في السنة الأولى ، بعثه في ثلاثين رجلاً من المهاجرين خاصة ، يعترض عيراً لقريش ، جاءت من الشام ، فيها أبو جهل في ثلاثمائة رجل ، حتى بلغوا سيف البحر من ناحية العيص ، فالتقوا واصطفوا للقتال فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني ، وكان موادعاً للفريقين ، فلم يقتتلوا .

إسلام عبد الله بن سلام :

وبادر عالم اليهود وحبرهم : عبد الله بن سلام فأسلم ، وأبى عامتهم إلا الكفر . وكانوا ثلاث قبائل : قينقاع ، والنضير ، وقريظة ، فنقض الثلاث العهد . وحاربهم ، فمن على بني قينقاع ، وأجلى بني النضير ، وقتل بني قريظة . ونزلت سورة الحشر في بني النضير ، وسورة الأحزاب في بني قريظة .

سرية سعد بن أبي وقاص :
ثم بعث سعد بن أبي وقاص في ذي القعدة من تلك السنة إلى الخرار من أرض الحجاز ، يعترضون عيراً لقريش . وعهد إليه : أن لا يجاوز الخرار ، وكانوا عشرين . فخرجوا على أقدامهم يسيرون بالليل ، ويكمنون بالنهار ، حتى بلغوا الخرار ، فوجدوا العير قد مرت بالأمس . ثم دخلت السنة الثانية .

سرية عبيدة بن الحارث :
ثم بعث عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف في شوال من تلك السنة، في سرية إلى بطن رابغ في ستين رجلاً من المهاجرين خاصة . فلقي أبا سفيان عند رابغ ، فكان بينهم الرمي ، ولم يسلوا السيوف ، وإنما كانت مناوشة . وكان سعد بن أبي وقاص أول من رمى بسهم في سبيل الله ، ثم انصرف الفريقان . وقدم ابن إسحاق سرية حمزة .

غزوة بواط :

     ثم غزا رسول الله صلى الله عليه و سلم غزوة بواط ، فخرج بنفسه صلى الله عليه و سلم في ربيع الآخر من السنة الثانية ، و استعمل على االمدينة السائب بن عثمان بن مظعون فسار حتى بلغ بواط من ناحية رضوى، ثم رجع ولم يلق حرباً

غزوة الأبواء :

الأبواء

 غزوة العشيرة:

     ثم كانت بعدها غزوة العشيرة ، ويقال بالسين المهملة ، و يقال العشيراء . خرج بنفسه صلى الله عليه و سلم في أثناء جماد الأولى حتى بلغها ، و هي مكان ببطن ينبع و أقام هناك بقية الشهر و ليالي من جمادى الآخرة [ و صالح بني مدلج ] ، ثم رجع و لم يلق كيدا ، و قد كان استخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد . وفي صحيح مسلم من حديث أبي إسحاق السبيعي قال : قلت لزيد بن أرقم : كم غزا رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ قال : [ تسع عشرة غزوة أولها العشيرة أو العشيراء ] .

خروجه لطلب كرز بن جابر :
ثم خرج في طلب كرز بن جابر الفهري ، وقد أغار على سرح المدينة ، فاستاقه . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثره حتى بلغ سفوان من ناحية بدر . وفاته كرز .

قتل عمرو بن الحضرمي :
فمرت بهم عير قريش تحمل زبيباً وتجارة فيها عمرو بن الحضرمي ، فقتلوه ، وأسروا عثمان ونوفلاً ابني عبد الله بن المغيرة ، والحكم بن كيسان مولى بني المغيرة . فقال المسلمون : نحن في آخر يوم من رجب ، فإن قاتلناهم : انتهكنا الشهر الحرام ، وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم . ثم أجمعوا على ملاقاتهم ، فرمى أحدهم عمرو بن الحضرمي فقتله ، وأسروا عثمان والحكم ، وأفلت نوفل . ثم قدموا بالعير والأسيرين، حتى عزلوا من ذلك الخمس . فكان أول خمس في الإسلام ، وأول قتل في الإسلام ، وأول أسر ، فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعلوه . واشتد إنكار قريش لذلك ، وزعموا : أنهم وجدوا مقالاً ، فقالوا : قد أحل محمد الشهر الحرام ، واشتد على المسلمين ذلك ، حتى أنزل الله : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله الآية ، يقول سبحانه : هذا الذي أنكرتموه -وإن كان كبيراً- فما ارتكبتموه وترتكبونه من الكفر بالله ، والصد عن سبيله وبيته ، وإخراج المسلمين منه : أكبر عند الله .

معنى الفتنة :
و الفتنة هنا الشرك ، كقوله : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ، وقوله : ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ، أي : لم تكن عاقبة شركهم ، وآخرة أمرهم : إلا أن أنكروه ، وتبرؤوا منه . وحقيقتها : الشرك الذي يدعوا إليه صاحبه ، ويعاقب من لم يفتتن به ، لهذا قال تعالى : إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا الآية ، فسرت بتعذيب المؤمنين وإحراقهم بالنار ، ليرجعوا عن دينهم . وقد تأتي الفتنة ويراد بها : المعصية ، كقوله تعالى : ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني الآية ، وكفتنة الرجل في أهله وماله ، ووالده وجاره ، وكالفتن التي وقعت بين أهل الإسلام . وأما التي يضيفها الله لنفسه ، فهي بمعنى الامتحان والابتلاء والاختبار .

وقعة بدر الكبرى ، يوم الفرقان :

--------

 

فلما كان في رمضان : بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر العير المقبلة من الشام مع أبي سفيان ، فيها أموال قريش . فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس للخروج إليها ، فخرج مسرعاً في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً ، ولم يكن معهم من الخيل إلا فرسان : فرس للزبير ، وفرس للمقداد بن الأسود ، وكان معهم سبعون بعيراً، يعتقب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد، واستخلف على المدينة عبد الله ابن أم مكتوم . فلما كان بالروحاء : رد أبا لبابة بن عبد المنذر ، واستعمله على المدينة . ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير ، والراية إلى علي ، وراية الأنصار إلى سعد بن معاذ . ولما قرب من الصفراء ، بعث بسبس بن عمرو وعدي بن أبي الزغباء إلى بدر يتجسسان أخبار العير . وبلغ أبا سفيان مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري ، وبعثه حثيثاً إلى مكة ، مستصرخاً قريشاً بالنفير إلى عيرهم ، فنهضوا مسرعين . ولم يتخلف من أشرافهم سوى أبي لهب . فإنه عوض عنه رجلاً بجعل . وحشدوا فيمن حولهم من قبائل العرب .

 ولم يتخلف عنهم من بطون قريش إلا بني عدي ، فلم يشهدها منهم أحد . وخرجوا من دي ارهم ، كما قال تعالى : بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله ، فجمعهم الله على غير ميعاد ، كما قال تعالى : ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد . ولما بلغ رسول الله خروج قريش ، استشار أصحابه ، فتكلم المهاجرون ، فأحسنوا . ثم استشارهم ثانياً ، فتكلم المهاجرون فأحسنوا . ثم ثالثاً ، ففهمت الأنصار : أن رسول الله إنما يعنيهم ، فقال سعد بن معاذ : كأنك تعرض بنا يا رسول الله ! -وكان إنما يعنيهم ، لأنهم بايعوه على أن يمنعوه في ديارهم- وكأنك تخشى أن تكون الأنصار ترى عليهم : أن لا ينصروك إلا في ديارهم ، وإني أقول عن الأنصار ، وأجيب عنهم . فأمض بنا حيث شئت ، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت ، وخذ من أموالنا ما شئت . وأعطنا منها ما شئت ، وما أخذت منها كان أحب إلينا مما تركت . فوالله لئن سرت بنا حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك ، ووالله لئن استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك . وقال المقداد بن الأسود : إذن لا نقول كما قال قوم موسى لموسى : فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ، ولكن نقاتل من بين يديك ، ومن خلفك ، وعن يمينك ، وعن شمالك . فأشرق وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بما سمع منه م ، وقال : سيروا وأبشروا ، فإن الله وعدني إحدى الطائفتين. وإني قد رأيت مصارع القوم . وكره بعض الصحابة لقاء النفير ، وقالوا : لم نستعد لهم ، فهو قوله تعالى : كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون * يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون إلى قوله : ولو كره المجرمون . وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر . وخفض أبو سفيان ، فلحق بساحل البحر . وكتب إلى قريش : أن ارجعوا فإنكم إنما خرجتم لتحرزوا عيركم ، فأتاهم الخبر ، فهموا بالرجوع ، فقال أبو جهل : والله لا نرجع حتى نقدم بدراً ، فنقيم بها ، نطعم من حضرنا ونسقي الخمر ، وتعزف علينا القيان ، وتسمع بنا العرب ، فلا تزال تهابنا أبداً وتخافنا . فأشار الأخنس بن شريق عليهم بالرجوع ، فلم يفعلوا . فرجع هو وبنو زهرة . فلم يزل الأخنس في بني زهرة مطاعاً بعدها . وأرادت بنو هاشم الرجوع ، فقال أبو جهل : لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع ، فساروا ، إلا طالب بن أبي طالب ، فرجع . وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل على ماء أدنى مياه بدر ، فقال الحباب بن المنذر: إن رأيت أن نسير إلى قلب -قد عر فناها- كثيرة الماء عذبة ، فننزل عليها . وتغور ما سواها من المياه ؟ وأنزل الله تلك الليلة مطراً واحداً ، صلب الرمل ، وثبت الأقدام ، وربط على قلوبهم . ومشى رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضع المعركة وجعل يشير بيده ، ويقول : هذا مصرع فلان ، هذا مصرع فلان ، هذا مصرع فلان إن شاء الله ، فما تعدى أحد منهم موضع إشارته صلى الله عليه وسلم . فلما طلع المشركون ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها ، جاءت تحادك ، وتكذب رسولك ، اللهم فنصرك الذي وعدتني . اللهم أحنهم الغداة ، وقام ورفع يديه ، واستنصر ربه ، وبالغ في التضرع ورفع يديه حتى سقط رداؤه . وقال : اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم إني أنشدك عهدك ، اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض بعد، فالتزمه أبو بكر الصديق من ورائه ، وقال : حسبك مناشدتك ربك ، يا رسول الله ! فوالذي نفسي بيده لينجزن الله لك ما وعدك . واستنصر المسلمون الله واستغاثوه ، فأوحى الله إلى الملائكة : أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ، وأوحى الله إلى رسوله : أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ، بكسر الدال وفتحها ، قيل : إردافاً لكم ، وقيل : يردف بعضهم بعضاً ، لم يجيئوا دفعة واحدة . فلما أصبحوا أقبلت قريش في كتائبها ، وقلل الله المسلمين في أعينهم ، حتى قال أبو جهل -لما أشار عتبة بن ربيعة بالرجوع، خوفاً على قريش من التفرق والقطيعة ، إذا قتلوا أقاربهم- إن ذلك ليس به ولكنه -يعني عتبة- عرف أن محمداً وأصحابه أكلة جزور ، وفيهم ابنه ، فقد تخوفكم عليه . وقلل المشركين أيضاً في أعين المسلمين ، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً . وأمر أبو جهل عامر بن الحضرمي -أخا عمرو بن الحضرمي- أن يطلب دم أخيه ، فصاح ، وكشف عن استه يصرخ : واعمراه ، واعمراه ، فحمي القوم . ونشبت الحرب . وعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف ، ثم انصرف وغفا غفوة ، وأخذ المسلمين النعاس وأبو بكر الصديق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرسه ، وعنده سعد بن معاذ ، وجماعة من الأنصار على باب العريش، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع ، ويتلو هذه الآية : سيهزم الجمع ويولون الدبر . ومنح الله المسلمين أكتاف المشركين ، فتناولوهم قتلاً وأسراً ، فقتلوا سبعين ، وأسروا سبعين . وخرج عتب ة وشيبة ابنا ربيعة ، والوليد بن عتبة : يطلبون المبارزة ، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار ، فقالوا : أكفاء كرام ، ما لنا ما بكم من حاجة ، إنما نريد من بني عمنا . فبرز إليهم حمزة ، وعبيدة بن الحارث بن المطلب ، وعلي بن أبي طالب ، فقتل علي قرنه الوليد ، وقتل حمزة قرنه شيبة . واختلف عبيدة وعتبة ضربتين ، كلاهما أثبت صاحبه . فكر حمزة وعلي على قرن عبيدة فقتلاه ، واحتملا عبيدة ، قد قطعت رجله ، فقال : لو كان أبو طالب حياً لعلم أنا أولى منه بقوله : ونسلمه حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل ومات بالصفراء ، وفيهم نزلت : هذان خصمان اختصموا في ربهم الآية ، فكان علي رضي الله عنه يقول : أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله عز وجل يوم القيامة . ولما عزمت قريش على الخروج : ذكروا ما بينهم وبين بني كنانة من الحرب ، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك، فقال: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ، فلما تعبؤوا للقتال ، ورأى الملائكة : فر ونكص على عقبيه ، فقالوا : إلى أين يا سراقة !؟ فقال : إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب . وظن المنافقون ، ومن في قلبه مر ض : أن الغلبة بالكثرة ، فقالوا : غر هؤلاء دينهم ، فأخبر الله سبحانه : أن النصر إنما هو بالتوكل على الله وحده . ولما دنا العدو : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوعظ الناس ، وذكرهم بما لهم في الصبر والثبات من النصر ، وأن الله قد أوجب الجنة لمن يستشهد في سبيله . فأخرج عمير بن الحمام بن الجموح تمرات من قرنه يأكلهن ، ثم قال : لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة ، فرمى بهن ، وقاتل حتى قتل ، فكان أول قتيل . وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ملء كفه تراباً ، فرمى به في وجوه القوم. فلم تترك رجلاً إلا ملأت عينيه ، فهو قوله تعالى: وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى . واستفتح أبو جهل ، فقال : اللهم أقطعنا للرحم ، وآتانا بما لا نعرف ، فأحنه الغداة . ولما وضع المسلمون أيديهم في العدو -يقتلون ويأسرون- وسعد بن معاذ واقف عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجال من الأنصار في العريش -رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجه سعد الكراهية ، فقال : كأنك تكره ما يصنع الناس ، قال : أجل والله يا رسول الله ! كانت أول وقعة أوقعها الله في المشركين ، وكان الإثخان في القتل أحب إلي من استبق اء الرجال . ولما بردت الحرب ، وانهزم العدو ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ينظر لنا ما صنع أبو جهل؟ ، فانطلق ابن مسعود ، فوجده قد ضربه معوذ وعوف -ابنا عفراء- حتى برد ، فأخذ بلحيته ، فقال : أنت أبو جهل ؟ فقال : لمن الدائرة اليوم ؟ قال : لله ورسوله ، ثم قال له : هل أخزاك الله يا عدو الله ؟ قال : وهل فوق رجل قتله قومه ؟ فاحتز رأسه عبد الله بن مسعود . ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم . فقال : قتلته ، آلله الذي لا إله إلا هو ؟ -ثلاثاً- ثم قال : الحمد لله الذي صدق وعده ، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ، انطلق فأرنيه ، فانطلقنا ، فأريته إياه ، فلما وقف عليه ، قال : هذا فرعون هذه الأمة . وأسر عبد الرحمن بن عوف أمية بن خلف ، وابنه علياً . فأبصره بلال -وكان أمية يعذبه بمكة- فقال : رأس الكفر أمية ؟ لا نجوت إن نجا . ثم استحمى جماعة من الأنصار ، واشتد عبد الرحمن بهما ، يحجزهما منهم ، فأدركوهم . فشغلهم عن أمية بابنه علي ، ففرغوا منه ، ثم لحقوهما ، فقال له عبد الرحمن : ابرك . فبرك ، وألقى عليه عبد الرحمن بنفسه . فضربوه بالسيوف من تحته حتى قتلوه ، وأصاب بعض السيوف رجل عبد الرحمن . وكان أمية قد قال قبل ذاك : من المعلم في صدره بريش النعام ؟ فقال له : ذاك حمزة بن عبد المطلب ، قال : ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل . وانقطع يومئذ سيف عكاشة بن محصن ، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم جذلاً من حطب ، فلما أخذه وهزه : عاد في يده سيفاً طويلاً ، فلم يزل يقاتل به حتى قتل يوم الردة . ولما انقضت الحرب : أقبل النبي صلى الله عليه وسلم حتى وقف على القتلى ، فقال : بئس عشيرة النبي كنتم ، كذبتموني ، وصدقني الناس . وخذلتموني ، ونصرني الناس . وأخرجتموني وآواني الناس . ثم أمر بهم فسحبوا حتى ألقوا في القليب -قليب بدر- ثم وقف عليهم ، فقال : يا عتبة بن ربيعة ! ويا شيبة بن ربيعة ! ويا فلانة ، ويا فلان : هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً ؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً، فقال عمر : يا رسول الله ! ما تخاطب من أقوام قد جيفوا ؟ فقال : ما أنت بأسمع لما أقول منهم [ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا] . ثم ارتحل مؤيداً منصوراً ، قرير العين ، معه الأسرى والمغانم . فلما كان بالصفراء : قسم الغنائم ، وضرب عنق النضر بن الحارث . ثم لما نزل بعرق الظبية ، ضرب عنق عقبة بن أبي معيط . ثم دخل المدينة مؤيداً منصوراً ، قد خافه كل عدو له بالمدينة . فأسلم بشر كثير من أهل المدينة ، ودخل عبد الله بن أبي رأس المنافقين وأصحابه في الإسلام . وجملة من حضر بدراً : ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً ، واستشهد منهم أربعة عشر رجلاً . قال ابن إسحاق : كان أناس قد أسلموا ، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم حبسهم أهلهم بمكة ، وفتنوهم فافتتنوا ، ثم ساروا مع قومهم إلى بدر ، فأصيبوا فأنزل الله فيهم : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم .

     و كانت أول غزاة غزاها رسول الله صلى الله عليه و سلم غزوة الأبواء ، و كانت في صفر سنة اثنتين من الهجرة ، خرج بنفسه صلى الله عليه و سلم حتى بلغ ودان ، فوادع بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة مع سيدهم مخشي بن عمرو ، ثم كر راجعاً إلى المدينة و لم يلق حرباً ، و كان استخلف عليها سعد بن عبادة رضي الله عنه .

معنى الفتنة :
و الفتنة هنا الشرك ، كقوله : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ، وقوله : ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ، أي : لم تكن عاقبة شركهم ، وآخرة أمرهم : إلا أن أنكروه ، وتبرؤوا منه . وحقيقتها : الشرك الذي يدعوا إليه صاحبه ، ويعاقب من لم يفتتن به ، لهذا قال تعالى : إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا الآية ، فسرت بتعذيب المؤمنين وإحراقهم بالنار ، ليرجعوا عن دينهم . وقد تأتي الفتنة ويراد بها : المعصية ، كقوله تعالى : ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني الآية ، وكفتنة الرجل في أهله وماله ، ووالده وجاره ، وكالفتن التي وقعت بين أهل الإسلام . وأما التي يضيفها الله لنفسه ، فهي بمعنى الامتحان والابتلاء والاختبار .

قسم غنائم بدر :
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالغنائم فجمعت فاختلفوا ، فقال من جمعها : هي لنا . وقال من هزم العدو : لولانا ما أصبتموها . وقال الذين يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنتم بأحق بها منا ، قال عبادة بن الصامت : فنزعها الله من أيدينا ، فجعلها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقسمها بين المسلمين ، وأنزل الله تعالى : يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول الآيات . وذكر ابن إسحاق عن نبيه بن وهب ، قال : فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسرى على أصحابه ، وقال : استوصوا بالأسرى خيراً ، فكان أبو عزيز بن عمير عند رجل من الأنصار ، فقال له أخوه مصعب : شد يدك به ، فإن أخته ذات متاع . فقال أبو عزيز : يا أخي ! هذه وصيتك بي ؟ فقال مصعب : إنه أخي دونك ، قال أبو عزيز: وكنت مع رهط من الأنصار حين قفلوا ، فكانوا إذا قدموا طعاماً خصوني بالخبز ، وأكلوا التمر ، لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا ، ما يقع في يد رجل منهم كسرة إلا نفحني بها ، قال : فأستحي فأردها على أحدهم ، فيردها علي ، ما يمسها

أسارى بدر :
واسشتار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في الأسرى ، وهم سبعون ، وكذلك القتلى سبعون أيضاً . فأشار الصديق : أن يؤخذ منهم فدية ، تكون لهم قوة ، ويطلقهم لعل الله يهديهم للإسلام . فقال عمر : لا والله ، ما أرى ذلك ، ولكني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم ، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديد الشرك ، فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ، فقال : إن الله عز وجل ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللين ، وإن الله عز وجل ليشدد قلوب رجال فيه ، حتى تكون أشد من الحجارة . وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم ؟ إذ قال : فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى ، إذ قال : إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ، وإن مثلك يا عمر كمثل موسى ، قال: ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم ، وإن مثلك يا عمر كمثل نوح ، قال : رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ، ثم قال : أنتم اليوم عالة ، فلا ينفلتن منهم أحد إلا بفداء ، أو ضرب عنق ، فأنزل الله تعالى : ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض الآيتين . قال عمر : فلما كان من الغد ، غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هو قاعد -هو وأبو بكر- يبكيان ، فقلت : يا رسول الله ! أخبرني ما يبكيك وصاحبك ؟ فإن وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد تباكيت لبكائكما . فقال : أبكي للذي عرض علي أصحابك من الغد : من أخذهم الفداء ، فقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة -لشجرة قريبة منه صلى الله عليه وسلم- وقال : لو نزل عذاب ما سلم منه إلا عمر . وقال الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم : نريد أن نترك لابن أختنا العباس فداءه ، فقال : لا تدعوا منه درهماً . ثم دخلت السنة الثالثة من الهجرة .

غزوة بني قينقاع :
فكانت فيها غزوة بني قينقاع ، وكانوا من يهود المدينة . فنقضوا العهد . فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة ، فنزلوا على حكمه ، فشفع فيهم عبد الله بن أبي بن سلول ، وألح على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ، فأطلقهم له، وكانوا سبعمائة رجل ، وهم رهط عبد الله بن سلام .


 


 


 

غزوة أحد :

وفيها كانت وقعة أحد في شوال . وذلك : أن الله تبارك وتعالى لما أوقع بقريش يوم بدر ، وترأس فيهم أبو سفيان ، لذهاب أكابرهم ، أخذ يؤلب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين . ويجمع الجموع ، فجمع قريباً من ثلاثة آلاف من قريش ، والحلفاء والأحابيش . وجاؤوا بنسائهم لئلا يفروا ، ثم أقبل بهم نحو المدينة ، فنزل قريباً من جبل أحد . فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم

 أصحابه في الخروج إليهم ، وكان رأيه أن لا يخرجوا ، فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه السكك ، والنساء من فوق البيوت ، ووافقه  عبد الله بن أبي -رأس المنافقين- على هذا الرأي ، فبادر جماعة من فضلاء الصحابة -ممن فاته بدر- وأشاروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج ، وألحوا عليه .  فنهض ودخل بيته، ولبس لأمته ، وخرج عليهم ، فقالوا : استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج . ثم قالوا : إن أحببت أن تمكث بالمدينة فافعل ، فقال : ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه . فخرج في ألف من أصحابه ، واستعمل على المدينة عبد الله بن أم مكتوم . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رؤيا : رأى أن في سيفه ثلمة ، وأن بقراً تذبح . وأنه يدخل يده في درع حصينة . فتأول الثلمة : برجل يصاب من أهل بيته ، والبقر : بنفر من أصحابه يقتلون ، والدرع بالمدينة ، فخرج ، وقال لأصحابه : عليكم بتقوى الله ، والصبر عند البأس إذا لقيتم العدو ، وانظروا ماذا أمركم الله به فافعلوا . فلما كان بالشوط -بين المدينة وأحد- انخزل عبد الله بن أبي بنحو ثلث العسكر ، وقال : عصاني . وسمع من غيري ما ندري علام نقتل أنفسنا ها هنا ، أيها الناس ؟ فرجع وتبعهم عبد الله بن عمرو -والد جابر- يحرضهم على الرجوع ، ويقول : قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ، قالوا : لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع، فرجع عنهم وسبهم . وسأل نفر من الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستعينوا بحلفائهم من يهود ، فأبى ، وقال : من يخرج بنا على القوم من كثب؟ . فخرج به بعض الأنصار ، حتى سلك في حائط لمربع بن قيظي من المنافقين -وكان أعمى-، فقام يحثو التراب في وجوه المسلمين ، ويقول : لا أحل لك أن تدخل في حائطي ، إن كنت رسول الله . فابتدروه ليقتلوه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقتلوه فهذا أعمى القلب أعمى البصر . ونفذ حتى نزل الشعب من أحد ، في عدوة الوادي الدنيا ، وجعل ظهره إلى أحد ، ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم . فلما أصبح يوم السبت تعبأ للقتال ، وهو في سبعمائة ، منهم خمسون فارساً ، واستعمل على الرماة -وكانوا خمسين- عبد الله بن جبير . وأمرهم : أن لا يفارقوا مركزهم ، ولو رأوا الطير تختطف العسكر ، وأمرهم : أن ينضحوا المشركين بالنبل ، لئلا يأتوا المسلمين من ورائهم . وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين . وأعطى اللواء مصعب بن عمير ، وجعل على إحدى المجنبتين الزبير بن العوام ، وعلى الأخرى : المنذر بن عمرو . واستعرض الشباب يومئذ ، فرد من استصغر عن القتال -كابن عمر ، وأسامة بن زيد ، والبراء ، وزيد بن أرقم ، وزيد بن ثابت ، وعرابة الأوسي- وأجاز من رآه مطيقاً . وتعبأت قريش ، وهم ثلاثة آلاف . وفيهم مائتا فارس ، فجعلوا ميمنتهم : خالد بن الوليد ، وعلى الميسرة : عكرمة بن أبي جهل . ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه إلى أبي دجانة . وكان أول من بدر من المشركين أبو عامر -عبد عمرو بن صيفي- الفاسق ، وكان يسمى الراهب . وهو رأس الأوس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام شرق به ، وجاهر بالعداوة . فذهب إلى قريش يؤلبهم على رسول ا لله صلى الله عليه وسلم ووعدهم : بأن قومه إذا رأوه أطاعوه ، فلما ناداهم ، وتعرف إليهم ، قالوا : لا أنعم الله بك عيناً يا فاسق ، فقال : لقد أصاب قومي بعدي شر . ثم قاتل المسلمين قتالاً شديداً ، ثم أرضخهم بالحجارة . وأبلى يومئذ أبو دجانة، وطلحة، وحمزة، وعلي، والنضر بن أنس، وسعد بن الربيع بلاء حسناً . وكانت الدولة أول النهار للمسلمين ، فانهزم أعداء الله ، وولوا مدبرين ، حتى انتهوا إلى نسائهم ، فلما رأى ذلك الرماة ، قالوا : الغنيمة ، الغنيمة ، فذكرهم أميرهم عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يسمعوا ، فأخلوا الثغر ، وكر فرسان المشركين عليه ، فوجدوه خالياً ، فجاؤوا منه . وأقبل آخرهم حتى أحاطوا بالمسلمين فأكرم الله من أكرم منهم بالشهادة -وهم سبعون- وولى الصحابة . وخلص المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجرحوه جراحات ، وكسروا رباعيته . وقتل مصعب بن عمير بين يديه ، فدفع اللواء إلى علي بن أبي طالب . وأدركه المشركون يريدون قتله ، فحال دونه نحو عشرة حتى قتلوا ، ثم جالدهم طلحة بن عبيد الله حتى أجهضهم عنه ، وترس أبو دجانة عليه بظهره ، والنبل يقع فيه وهو لا يتحرك . وأصيبت يومئذ عين قت ادة بن النعمان ، فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فردها بيده ، فكانت أحسن عينيه . وصرخ الشيطان : إن محمداً قد قتل ، فوقع ذلك في قلوب كثير من المسلمين . فمر أنس بن النضر بقوم من المسلمين قد ألقوا بأيديهم ، فقالوا : قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : ما تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه . ثم استقبل الناس ، ولقي سعد بن معاذ ، فقال : يا سعد ! إني لأجد ريح الجنة من دون أحد ، فقاتل حتى قتل ، ووجد به سبعون جراحة . وقتل وحشي حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ، رماه بحربة على طريقة الحبشة . وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو المسلمين ، فكان أول من عرفه تحت المغفر : كعب بن مالك ، فصاح بأعلى صوته : يا معشر المسلمين ! هذا رسول الله ، فأشار إليه : أن اسكت ، فاجتمع إليه المسلمون ، ونهضوا معه إلى الشعب الذي نزل فيه . فلما أسندوا إلى الجبل أدركه أبي بن خلف على فرس له ، كان يزعم بمكة : أنه يقتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما اقترب منه طعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ترقوته ، فكر منهزماً . فقال له المشركون : ما بك من بأس ، فقال : والله لو كان ما بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين ، فمات بسرف . وحانت الصلاة ، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً . وشد حنظلة بن أبي عامر على أبي سفيان ، فلما تمكن منه حمل عليه شداد بن الأسود فقتله ، وكان حنظلة جنباً ، فإنه حين سمع الصيحة وهو على بطن امرأته : قام من فوره إلى الجهاد ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الملائكة تغسله . وكان الأصيرم -عمرو بن ثابت بن وقش- يأبى الإسلام ، وهو من بني عبد الأشهل ، فلما كان يوم أحد: قذف الله الإسلام في قلبه للحسنى التي سبقت له . فأسلم وأخذ سيفه ، فقاتل ، حتى أثبتته الجراح ، ولم يعلم أحد بأمره . فلما طاف بنو عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم ، وجدوا الأصيرم -وبه رمق يسير ، فقالوا : والله إن هذا الأصيرم ، ثم سألوه : ما الذي جاء بك ؟ أحدب على قومك ، أم رغبة في الإسلام ؟ فقال : بل رغبة في الإسلام ، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت ، ومات من وقته . فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : هو من أهل الجنة، ولم يصل لله سجدة قط . ولما انقضت الحرب : أشرف أبو سفيان على الجبل ، ونادى : أفيكم محمد ؟ فلم يجيبوه ، فقال : أفيكم ابن أبي قحافة ؟ فلم يجيبوه . فقال : أفيكم ابن ا لخطاب ؟ فلم يجيبوه ، فقال : أما هؤلاء فقد كفيتموهم ، فلم يملك عمر نفسه أن قال : يا عدو الله ! إن الذين ذكرتهم أحياء ، وقد أبقى الله لك منهم ما يسوءك ، ثم قال : اعل هبل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا تجيبوه ؟، قالوا : ما نقول ؟ قال : قولوا : الله أعلى وأجل، ثم قال : لنا العزى ، ولا عزى لكم ، قال : ألا تجيبوه ؟ قالوا : ما نقول ؟ قال : قولوا : الله مولانا ، ولا مولى لكم ، ثم قال : يوم بيوم بدر ، والحرب سجال ، فقال عمر : لا سواء ، قتلانا في الجنة ، وقتلاكم في النار . وأنزل الله عليهم النعاس في بدر وفي أحد ، والنعاس في الحرب من الله ، وفي الصلاة ومجالس الذكر : من الشيطان . وقاتلت الملائكة يوم أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ففي الصحيحين عن سعد ، قال : رأيت رسول الله يوم أحد ، ومعه رجلان يقاتلان عنه ، عليهما ثياب بيض ، كأشد القتال ، وما رأيتهما قبل ولا بعد . ومر رجل من المهاجرين برجل من الأنصار -وهو يتشحط في دمه- فقال : يا فلان ! أشعرت أن محمداً قتل ؟ فقال الأنصاري : إن كان قد قتل فقد بلغ ، فقاتلوا عن دينكم ، فنزل : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل الآ ية . وكان يوم أحد يوم بلاء وتمحيص ، اختبر الله عز وجل به المؤمنين ، وأظهر به المنافقين ، وأكرم فيه من أراد كرامته بالشهادة ، فكان مما نزل من القرآن في يوم أحد : إحدى وستون آية من آل عمران ، أولها : وإذ غدوت من أهلك تبوء المؤمنين مقاعد للقتال الآيات . ولما انصرفت قريش تلاوموا فيما بينهم ، وقالوا : لم تصنعوا شيئاً ، أصبتم شوكتهم ، ثم تركتموه ، وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم ، فارجعوا حتى نستأصل بقيتهم . فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنادى في الناس بالمسير إليهم ، وقال : لا يخرج معنا إلا من شهد القتال ، فقال له ابن أبي : أركب معك ؟ قال : لا . فاستجاب له المسلمون -على ما بهم من القرح الشديد- وقالوا : سمعاً وطاعة . وقال جابر : يا رسول الله ! إني أحب أن لا تشهد مشهداً إلا كنت معك ، وإنما خلفني أبي على بناته ، فائذن لي أن أسير معك . فأذن له . فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ، حتى بلغوا حمراء الأسد ، فبلغ ذلك أبا سفيان ومن معه، فرجعوا إلى مكة. وشرط أبو سفيان لبعض المشركين شرطاً على أنه إذا مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه : أن يخوفهم ، ويذكر لهم : أن قريش اً أجمعوا للكرة عليكم ليستأصلوا بقيتكم ، فلما بلغهم ذلك قالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل . ثم دخلت السنة الرابعة . فكانت فيها وقعة خبيب وأصحابه ، في صفر .

[http://www.islamweb.net.qa/seera/contents.htm]


 

غزوة أحد :

وفيها كانت وقعة أحد في شوال . وذلك : أن الله تبارك وتعالى لما أوقع بقريش يوم بدر ، وترأس فيهم أبو سفيان ، لذهاب أكابرهم ، أخذ يؤلب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين . ويجمع الجموع ، فجمع قريباً من ثلاثة آلاف من قريش ، والحلفاء والأحابيش . وجاؤوا بنسائهم لئلا يفروا ، ثم أقبل بهم نحو المدينة ، فنزل قريباً من جبل أحد . فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم

 أصحابه في الخروج إليهم ، وكان رأيه أن لا يخرجوا ، فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه السكك ، والنساء من فوق البيوت ، ووافقه  عبد الله بن أبي -رأس المنافقين- على هذا الرأي ، فبادر جماعة من فضلاء الصحابة -ممن فاته بدر- وأشاروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج ، وألحوا عليه .  فنهض ودخل بيته، ولبس لأمته ، وخرج عليهم ، فقالوا : استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج . ثم قالوا : إن أحببت أن تمكث بالمدينة فافعل ، فقال : ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه . فخرج في ألف من أصحابه ، واستعمل على المدينة عبد الله بن أم مكتوم . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رؤيا : رأى أن في سيفه ثلمة ، وأن بقراً تذبح . وأنه يدخل يده في درع حصينة . فتأول الثلمة : برجل يصاب من أهل بيته ، والبقر : بنفر من أصحابه يقتلون ، والدرع بالمدينة ، فخرج ، وقال لأصحابه : عليكم بتقوى الله ، والصبر عند البأس إذا لقيتم العدو ، وانظروا ماذا أمركم الله به فافعلوا . فلما كان بالشوط -بين المدينة وأحد- انخزل عبد الله بن أبي بنحو ثلث العسكر ، وقال : عصاني . وسمع من غيري ما ندري علام نقتل أنفسنا ها هنا ، أيها الناس ؟ فرجع وتبعهم عبد الله بن عمرو -والد جابر- يحرضهم على الرجوع ، ويقول : قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ، قالوا : لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع، فرجع عنهم وسبهم . وسأل نفر من الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستعينوا بحلفائهم من يهود ، فأبى ، وقال : من يخرج بنا على القوم من كثب؟ . فخرج به بعض الأنصار ، حتى سلك في حائط لمربع بن قيظي من المنافقين -وكان أعمى-، فقام يحثو التراب في وجوه المسلمين ، ويقول : لا أحل لك أن تدخل في حائطي ، إن كنت رسول الله . فابتدروه ليقتلوه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقتلوه فهذا أعمى القلب أعمى البصر . ونفذ حتى نزل الشعب من أحد ، في عدوة الوادي الدنيا ، وجعل ظهره إلى أحد ، ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم . فلما أصبح يوم السبت تعبأ للقتال ، وهو في سبعمائة ، منهم خمسون فارساً ، واستعمل على الرماة -وكانوا خمسين- عبد الله بن جبير . وأمرهم : أن لا يفارقوا مركزهم ، ولو رأوا الطير تختطف العسكر ، وأمرهم : أن ينضحوا المشركين بالنبل ، لئلا يأتوا المسلمين من ورائهم . وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين . وأعطى اللواء مصعب بن عمير ، وجعل على إحدى المجنبتين الزبير بن العوام ، وعلى الأخرى : المنذر بن عمرو . واستعرض الشباب يومئذ ، فرد من استصغر عن القتال -كابن عمر ، وأسامة بن زيد ، والبراء ، وزيد بن أرقم ، وزيد بن ثابت ، وعرابة الأوسي- وأجاز من رآه مطيقاً . وتعبأت قريش ، وهم ثلاثة آلاف . وفيهم مائتا فارس ، فجعلوا ميمنتهم : خالد بن الوليد ، وعلى الميسرة : عكرمة بن أبي جهل . ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه إلى أبي دجانة . وكان أول من بدر من المشركين أبو عامر -عبد عمرو بن صيفي- الفاسق ، وكان يسمى الراهب . وهو رأس الأوس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام شرق به ، وجاهر بالعداوة . فذهب إلى قريش يؤلبهم على رسول ا لله صلى الله عليه وسلم ووعدهم : بأن قومه إذا رأوه أطاعوه ، فلما ناداهم ، وتعرف إليهم ، قالوا : لا أنعم الله بك عيناً يا فاسق ، فقال : لقد أصاب قومي بعدي شر . ثم قاتل المسلمين قتالاً شديداً ، ثم أرضخهم بالحجارة . وأبلى يومئذ أبو دجانة، وطلحة، وحمزة، وعلي، والنضر بن أنس، وسعد بن الربيع بلاء حسناً . وكانت الدولة أول النهار للمسلمين ، فانهزم أعداء الله ، وولوا مدبرين ، حتى انتهوا إلى نسائهم ، فلما رأى ذلك الرماة ، قالوا : الغنيمة ، الغنيمة ، فذكرهم أميرهم عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يسمعوا ، فأخلوا الثغر ، وكر فرسان المشركين عليه ، فوجدوه خالياً ، فجاؤوا منه . وأقبل آخرهم حتى أحاطوا بالمسلمين فأكرم الله من أكرم منهم بالشهادة -وهم سبعون- وولى الصحابة . وخلص المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجرحوه جراحات ، وكسروا رباعيته . وقتل مصعب بن عمير بين يديه ، فدفع اللواء إلى علي بن أبي طالب . وأدركه المشركون يريدون قتله ، فحال دونه نحو عشرة حتى قتلوا ، ثم جالدهم طلحة بن عبيد الله حتى أجهضهم عنه ، وترس أبو دجانة عليه بظهره ، والنبل يقع فيه وهو لا يتحرك . وأصيبت يومئذ عين قت ادة بن النعمان ، فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فردها بيده ، فكانت أحسن عينيه . وصرخ الشيطان : إن محمداً قد قتل ، فوقع ذلك في قلوب كثير من المسلمين . فمر أنس بن النضر بقوم من المسلمين قد ألقوا بأيديهم ، فقالوا : قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : ما تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه . ثم استقبل الناس ، ولقي سعد بن معاذ ، فقال : يا سعد ! إني لأجد ريح الجنة من دون أحد ، فقاتل حتى قتل ، ووجد به سبعون جراحة . وقتل وحشي حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ، رماه بحربة على طريقة الحبشة . وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو المسلمين ، فكان أول من عرفه تحت المغفر : كعب بن مالك ، فصاح بأعلى صوته : يا معشر المسلمين ! هذا رسول الله ، فأشار إليه : أن اسكت ، فاجتمع إليه المسلمون ، ونهضوا معه إلى الشعب الذي نزل فيه . فلما أسندوا إلى الجبل أدركه أبي بن خلف على فرس له ، كان يزعم بمكة : أنه يقتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما اقترب منه طعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ترقوته ، فكر منهزماً . فقال له المشركون : ما بك من بأس ، فقال : والله لو كان ما بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين ، فمات بسرف . وحانت الصلاة ، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً . وشد حنظلة بن أبي عامر على أبي سفيان ، فلما تمكن منه حمل عليه شداد بن الأسود فقتله ، وكان حنظلة جنباً ، فإنه حين سمع الصيحة وهو على بطن امرأته : قام من فوره إلى الجهاد ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الملائكة تغسله . وكان الأصيرم -عمرو بن ثابت بن وقش- يأبى الإسلام ، وهو من بني عبد الأشهل ، فلما كان يوم أحد: قذف الله الإسلام في قلبه للحسنى التي سبقت له . فأسلم وأخذ سيفه ، فقاتل ، حتى أثبتته الجراح ، ولم يعلم أحد بأمره . فلما طاف بنو عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم ، وجدوا الأصيرم -وبه رمق يسير ، فقالوا : والله إن هذا الأصيرم ، ثم سألوه : ما الذي جاء بك ؟ أحدب على قومك ، أم رغبة في الإسلام ؟ فقال : بل رغبة في الإسلام ، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت ، ومات من وقته . فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : هو من أهل الجنة، ولم يصل لله سجدة قط . ولما انقضت الحرب : أشرف أبو سفيان على الجبل ، ونادى : أفيكم محمد ؟ فلم يجيبوه ، فقال : أفيكم ابن أبي قحافة ؟ فلم يجيبوه . فقال : أفيكم ابن ا لخطاب ؟ فلم يجيبوه ، فقال : أما هؤلاء فقد كفيتموهم ، فلم يملك عمر نفسه أن قال : يا عدو الله ! إن الذين ذكرتهم أحياء ، وقد أبقى الله لك منهم ما يسوءك ، ثم قال : اعل هبل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا تجيبوه ؟، قالوا : ما نقول ؟ قال : قولوا : الله أعلى وأجل، ثم قال : لنا العزى ، ولا عزى لكم ، قال : ألا تجيبوه ؟ قالوا : ما نقول ؟ قال : قولوا : الله مولانا ، ولا مولى لكم ، ثم قال : يوم بيوم بدر ، والحرب سجال ، فقال عمر : لا سواء ، قتلانا في الجنة ، وقتلاكم في النار . وأنزل الله عليهم النعاس في بدر وفي أحد ، والنعاس في الحرب من الله ، وفي الصلاة ومجالس الذكر : من الشيطان . وقاتلت الملائكة يوم أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ففي الصحيحين عن سعد ، قال : رأيت رسول الله يوم أحد ، ومعه رجلان يقاتلان عنه ، عليهما ثياب بيض ، كأشد القتال ، وما رأيتهما قبل ولا بعد . ومر رجل من المهاجرين برجل من الأنصار -وهو يتشحط في دمه- فقال : يا فلان ! أشعرت أن محمداً قتل ؟ فقال الأنصاري : إن كان قد قتل فقد بلغ ، فقاتلوا عن دينكم ، فنزل : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل الآ ية . وكان يوم أحد يوم بلاء وتمحيص ، اختبر الله عز وجل به المؤمنين ، وأظهر به المنافقين ، وأكرم فيه من أراد كرامته بالشهادة ، فكان مما نزل من القرآن في يوم أحد : إحدى وستون آية من آل عمران ، أولها : وإذ غدوت من أهلك تبوء المؤمنين مقاعد للقتال الآيات . ولما انصرفت قريش تلاوموا فيما بينهم ، وقالوا : لم تصنعوا شيئاً ، أصبتم شوكتهم ، ثم تركتموه ، وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم ، فارجعوا حتى نستأصل بقيتهم . فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنادى في الناس بالمسير إليهم ، وقال : لا يخرج معنا إلا من شهد القتال ، فقال له ابن أبي : أركب معك ؟ قال : لا . فاستجاب له المسلمون -على ما بهم من القرح الشديد- وقالوا : سمعاً وطاعة . وقال جابر : يا رسول الله ! إني أحب أن لا تشهد مشهداً إلا كنت معك ، وإنما خلفني أبي على بناته ، فائذن لي أن أسير معك . فأذن له . فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ، حتى بلغوا حمراء الأسد ، فبلغ ذلك أبا سفيان ومن معه، فرجعوا إلى مكة. وشرط أبو سفيان لبعض المشركين شرطاً على أنه إذا مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه : أن يخوفهم ، ويذكر لهم : أن قريش اً أجمعوا للكرة عليكم ليستأصلوا بقيتكم ، فلما بلغهم ذلك قالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل . ثم دخلت السنة الرابعة . فكانت فيها وقعة خبيب وأصحابه ، في صفر .

[http://www.islamweb.net.qa/seera/contents.htm]